النحو؛ ولدى النحاة، فأوّل إعتماد النحاة كان عليه؛ بعدّه وسيلة ترجيح مناسبة بين روافد المادة المسموعة.
ومع ظهور المذهب الكوفي وجد النحاة في منهج المذهبين ما يصلح لعقد موازنة نقدية، كان الهدف منها إثبات صحة المنهج الذي إتبعوه؛ والطعن في منهج المذهب الآخر؛ إذ الغالب على هذه الموازنات أن تأخذ شكل المفاضلة، كالمفاضلة التي عقدها الريّاشي بين منهج مذهبه البصري، ومنهج المذهب الكوفي، إذ قال: (( إنما أخذنا اللغة حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء [الكوفيون] أخذوا اللغة عن أهل السواد أكلة الكواميخ والشواريز ) ) [1] .
أوقع الريّاشي مفاضلة بين منهج المذهبين على القبائل التي أخذ عنها كل مذهب منهما مادته اللغوية، وكان المعيار في ذلك إيغال القبيلة في عمق الصحراء وتمعّنها في حياة البداوة، وكان مستند الريّاشي في الوقوف على هذه الميزة أن ركّز على الآثار التي تدّل على ذلك مما تأكل القبيلة أو تشرب ن إذ التمعن في حياة التصحّر والبداوة يعدُ دليلً على صحة وسلامة لغة القبيلة المأخوذ عنها.
وكان للكوفيين موازناتهم، وكان طبيعيًا أن ينتصف علماء كل مذهب للمنهج الذي قام عليه مذهبهم. فمن موازنات الكوفيين تلك الموازنة التي عقدها ثعلب للفرق بين منهج المذهبين. قال: (( العرب تُخرج الإعراب على اللفظ دون المعاني، ولا يُفسد الإعراب المعنى، فإذا كان الإعراب يُفسد المعنى فليس من كلام العرب؛ وإنما صحّ قول الفراء لانه عمل العربية والنحو على كلام العرب؛ فقال: كل مسألة وافق إعرابها معناها؛ ومعناها إعرابها فهو الصحيح، وإنما لحق سيبويه الغلط لانه عمل كلام العرب على المعاني، وخلّى عن الألفاظ، ولم يوجد في كلام العرب ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مطبِّق للاعراب والاعراب مطبِّق للمعنى. وما نقله هشام عن الكسائي فلا مطعن فيه [2] ، وما قاسه فقد لحقه الغمزُ، لأنه سلك بعض سبيل سيبوبه، فعمل العربية على المعاني وترك الألفاظ؛ والفراء حمل العربية على الالفاظ والمعاني فَبرع، واستحق التقدمة، وذلك قولك:(مات زيد) ؛ فلو عاملت المعنى لوجب أن نقول: (مات زيدًا) لأن الله هو الذي أماته؛ ولكنك عاملت اللفظ، فأردت: (سكنت حركات زيد) ، )) [3] .
عرّض ثعلب في موازنته هذه بمنهج سيبويه والبصريين من خلال تعريضه بطريقتهم في الإعراب ومنهجهم في التعامل مع ظواهر اللغة، وعقد التقدمة للفراء لأنه ينحرف عن طريقتهم ويسلك غير منهجهم في التعامل مع هذه الظاهرة. لكن ثعلب أبدى تساهلًا ـ أو حاول ذلك ـ في فهمه لمنهج سيبويه والبصريين وطريقتهم في الاعراب؛ لانه يرى أن إعرابهم لـ (زيد) بموجب المعنى الذي يعوّلون عليه يُلزمهم نصبه؛ إذ هو مفعول في المعنى، والمعيار عنده (( إذا كان الإعراب يُفسد المعنى فليس من
(1) طبقات النحويين واللغويين: 131.
(2) معجم الأدباء: 19/ 118.
(3) ينظر على سبيل المثال: 46، 48، وسنفرد حديثًا خاصًا عن هذه الرسالة وعن صاحبها في الفصل الثاني من هذا الباب.