إلى ذلك أذهب فإنّا إنْ حكمنا على أهل الحديث بما حكمنا به على أبى حاتم السجستاني فما أبقينا لغيرهم؟ وإن كان مناط الأمر معقود بنيّة صاحبه، فهل نيّة أهل الحديث في أحكامهم نيّة السجستاني في أحكامه؟ هذا إذا قطعنا بأنه منهم؛ ورواية أبي الطيب اللغوي لاتثبت ذلك، فقد قال في معتقد أبى حاتم: (( وزعموا انه كان يُظهر العصبية مع أصحاب الحديث، ويضمر القول بالعَدْل ) ) [1] ، إذًا فنسبة أبي حاتم إلى أهل الحديث غير مرجوحة. ومهما يكن من شي فقد بلغ أبو حاتم في نقده للعلماء حدّ الإسراف وكانت أحكامه إمّا أن تطأ العالم بشكل مباشر أو أن تمسّ جانبًا من جوانب شخصيته (علمه، آرائه، مؤلفاته) وكلها تطعن عليه، لكنك إذا سألت أهل البصرة عن مكانة أبي حاتم فيهم قالوا: (( شيخنا وأستاذنا ) ) [2] ، وإنّا إذْ نقرّ له بالمشيخة والأستاذية ولا نبخسه حقه فيهما؛ لكن يتعذر علينا مع ذلك الأخذ بأقواله وأحكامه هذه، بل بات من الصعب مع هذا التسليم لكل حكم نقدي هذا شكله مالم يقترن بحجّة تحجّه ودليل يقوم عليه أو نصّ يستند إليه بغضّ النظر عن قائله، لكن مطالبة الناقد بدليل مادي على أحكام هذا اللون النقدي يتنافى وسياق هذه الأحكام؛ فالغاية منها الوصف في الأعم الأغلب فإن تهيأ له التدليل على بعضها تعذّر عليه التدليل على صحة بعضها الآخر، فمناط هذه الأحكام وثاقه الناقد نفسه؛ ولا يُحكم على وثاقه عالمٍ إلا بوثاقه عالم مثله أو يُدانيه، وإنما أردت التدليل بذلك على عدم ملائمة هذا المنحى النقدي للنحو؛ لحقيقة العلاقة القائمة بين النحو والنحاة، فنظرة واحدة في كتب التراجم تكفي للوقوف على بطلان الكثير من هذه الأحكام، وسيقف الناظر بلا شك على الكمّ الهائل من هذه الأحكام وسعة حجمها، ثم يرى مافيها من تناقض على كثرتها؛ وقد تورَّط بها جلّ علماء النحو؛ فلم يكن أبو حاتم وحيدًا في هذا الشأن؛ فهذا أبو علي الفارسي هو الآخر صدرت عنه أحكامًا في حق بعض النحاة لا تليق بمثله، وهو من هو في النحو وبين النحاة.
كان طبيعيًا أن تقف عداوة الصنعة وراء أحكام أبي علي الفارسي على غيره من النحاة، لأنه عاش في عصرٍ شهد أشياخ النحو العماليق؛ أمثال السيرافي والرماني وغيرهم، فقد باهت السيرافي ـ كما يقول أبو حيّان التوحيدي ـ: (( وهو متّقد بالغيظ على أبي سعيد [السيرافي] ، وبالحسد له، كيف تمّ له تفسير كتاب سيبويه من أوله إلى آخره بغريبه وأمثاله وشواهده وأبياته ) ) [3] وقد ورث تلاميذ الفارسي ذلك عن شيخهم، وصاروا يطلبون ذلك الشرح، قال أبو حيّان التوحيدي: (( رأيت أصحاب أبي علي الفارسي يُكثرون الطلب لكتاب شرح سيبويه ويجتهدون في تحصيله، فقلت لهم: إنكم لا تزالون تقعون فيه، وتُزرون على مؤلِّفه، فما لكم وله؟ قالوا نريد أن نردَّ عليه، ونعرِّفه خطأه فيه. قال أبو حيّان:
(1) الامتاع والمؤانسة: 1/ 131، ومعجم الأدباء: 8/ 178.
(2) معجم الأدباء:8/ 147.
(3) المصدر نفسه.