فحصّلوه واستفادوا منه، ولم يرد عليه أحدٌ منهم )) [1] ، قال ياقوت الحموى: (( وكان أبو علي وأصحابه كثيري الحسد لأبي سعيد، وكانوا يفضِّلون عليه الرماني ) ) [2] ، إلا أن الرماني هو الآخر نال نصيبه من أحكام أبي علي وقد قال فيه: (( إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء؛ وإن كان النحو ما نقوله نحن ليس معه منه شيء ) ) [3] . ولعل الفارسي في حكمه هذا لم يُخطئ المرمى لِما عُرف عن الرماني من أنه يتمنطق في نحوه، ولا نعرف إن كان الفارسي قد إستفاد في حكمه على الرماني مما شاع عنه بين النحاة، أو يكون النحاة هم من استفاد من حكم أبي علي في نحو الرماني، قال السيوطي: (( النحو ما يقوله الفارسي، ومتى عهد الناس أن النحو يُمزج بالمنطق! وهذه مؤلفات الخليل وسيبويه ومعاصريهما ومن بعدهما بدهر لم يُعهد فيه شيء من ذلك ) ) [4] . لكن أهل الأدب كانوا يرون في نحو أبي علي الفارسي قريبًا مما يراه غيرهم في نحو الرماني. ففي (نزهة الألباء) عن بعض أهل الأدب قولهم: (( كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئًا، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من نفهم جميع كلامه، فأمّا من لانفهم من كلامه شيئا، فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه دون البعض، فأبو علي الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السيرافي ) ) [5] ، فأهل الأدب يرون نحو أبي علي الفارسي دون نحو الرماني في الاستغلاق؛ ومع هذا جعل أبو علي النصفة لنفسه وللنحاة من نحو الرمانى فليس معهم مما يقول شيء.
ومن أقواله فيمن سبق من النحاة، قوله في (مقتضب) المبرد: (( نظرت في كتاب المقتضب فما انتفعت منه بشيء، إلا بمسألة واحدة وهي وقوع(إذا) جوابًا للشرط في قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [6] ، )) [7] . والأعجب من ذلك أن أبو البركات الانباري رضي هذا الحكم وعلّله؛ فقال: (( وكان السرّ في عدم الانتفاع به أن أبا العباس لما صنّف هذا الكتاب أخذه
(1) المصدر نفسه، وبغية الوعاة: 2/ 181.
(2) بغية الوعاة: 2/ 181.
(3) : 234، ومعجم الأدباء: 14/ 74.
(4) الروم 36.
(5) نزهة الألباء: 172، ومعجم الأدباء: 19/ 121.
(6) هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق بن الراوندي، ممن إشتهر بالإلحاد والزندقة، كان من متكلمي المعتزله ثم فارقهم وتزندق وألَّف في الرد عليهم، وإليه يُنسب الراونديون والزنادقة، قيل: إنه توفي في سنة 245، وقيل: سنة 298 هـ. ينظر: الفهرست: 5/ 216.
(7) نزهة الألباء: 172، ومعجم الأدباء: 19/ 121.