الصفحة 93 من 416

عنه إبن الراوندي [1] المشهور بالزندقة وفساد الاعتقاد وأخذه الناس من يد إبن الراوندي وكتبوه منه، فكأنه عاد عليه شؤمه فلا يكاد يُنتفع به )) [2] .

خلّص أبو البركات الانباري أبا علي الفارسي من اللائمة؛ وإلقى بتبعة حكمه على إبن الراوندي فكأنه هو من كان سببًا في إنعدام تلك الإفادة. والذي يظهر أن أبو البركات الانباري يُبدي تعاطفًا مع أبي علي الفارسي؛ بل يدفع عنه مثل هذه الأحكام إن قيلت بشأنه؛ فقد جاء في (نزهة الألباء) : (( ويُحكى: أن أبا علي لما صّنف كتاب (( الإيضاح ) )لعضد الدولة [ت 372] [3] ، وأتاه به، قال له عضد الدولة: (( هذا الذي صنعته يصلح للصبيان ) ). فصنّف له التكملة بعد ذلك )) [4] ، ثم علّق أبو البركات الانباري على قول عضد الدولة وحكمه على كتاب (الإيضاح) قائلًا: (( ولو صدر هذا الكلام من بعض أئمة النحويين لكان كبيرًا فكيف من بعض الملوك ) ) [5] .

ومن أحكام أبى علي الفارسي في أقرانه قوله في إبن خالويه: (( ولو بقي عمر نوح [عليه السلام] ما صَلَحَ أن يقرأ على السيرافي ) ) [6] . وهذا الحكم أشدّ صراحة من أن يُدفع بتأويلٍ أو نحوه، فقد تسقط اللائمة عن الحكم أو عن صاحب الحكم إذا ضاع حكمه في زحمة الأحكام التي تُحاكيه وتماثله، أو إذا تهيّأ له وجه من التأويل يُسوّغه، غير أن للفارسي في أقرانه أقوالًا صريحة ـ كأحكامه هذه ـ لا يسع لأحدٍ دفعها، كما لا يسع لأحدٍ قبولها. ومن أحكامه أيضًا قوله في إبن الخيّاط: (( كان لايعرف شيئًا ) ) [7] ، ومن أقسى أحكامه حكمه على الزجاجي؛ وقد قال فيه: (( لو سمع أبو القاسم الزجاجي كلامنا في النحو لاستحيى أن يتكلّم فيه ) ) [8] ، وقد جاء دفاع الدكتور مازن المبارك عن صاحبه (الزجاجي) متأخرًا؛ إذ قال: (( إن تأخّر الزجاجي عن مرتبة الفارسي لايُبرر هذا الإزراء به والطعن عليه، فكتب الرجل شاهدة بعلمه، وأقوال العلماء فيه وإقبالهم على آثاره دليل على مكانته وفضله. وما أظن رأي

(1) هو أبو شجاع عضد الدولة فناخسرو بن بويه بن ركن الدولة بن ساسان الأكبر، أحد علماء العربية والأدب وله مشاركة في فنون أخرى وأبحاث حسنه في العربية، كان ملكًا على فارس ثم الموصل ثم الجزيرة، وهو أول من لُقِّب في الإسلام (شاهنشاه) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 247.

(2) نزهة الألباء: 233.

(3) نزهة الألباء: 233.

(4) معجم الأدباء: 7/ 257 - 258.

(5) المصدر نفسه: 7/ 258.

(6) نزهة الألباء: 227.

(7) الزجاجي حياته وآثاره ومذهبه النحوي: 8.

(8) هو أبو عبد الله محمد بن أبى الفرج بن فرج بن أبى القاسم المالكي الكتاني الصقلي، كان عالمًا بالنحو واللغة وسائر فنون الأدب، ورد إلى بغداد من صقلية ثم رحل إلى خرا سان، وكان مولعًا بتتبع عثرات شيوخه فدعوا عليه فلم يُفلح. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت