الصفحة 94 من 416

الفارسي فيه إلا من قبيل عداوة الصنعة، والطعن على أهلها، والحرص على مكان الصدراة فيها، وقد اعتاد الفارسي أن يطلق مثل هذا القول على زملائه ونظرائه )) [1] .

إختلفت الدوافع وكانت النتيجة واحدة هي الطعن على العلماء والتشنيع عليهم بأحكام وصفية أرى أنها تشبه النقد ولا يصحّ أن تُحسب بحساب النقد؛ وقد فتح هؤلاء العلماء ـ على علوّ قدرهم ـ فيها للاحقين بابًا ذهبوا فيه مذهبًا بعيدًا، فإذا كان هذا حال المتقدمين فما بالك باللاحقين! وقد اشتهر بعض أئمتهم بالقدح على الأوائل والوقوع فيهم فضلًا عن الوقوع في أقرانهم، وممن عرف بذلك من المتأخرين؛ الذكي النحوي (ت 516 هـ) [2] ، فقد كان (( يتبع عشرات الشيوخ ) ) [3] ، وقد (( بسط لسانه بما لا يليق بهم ) ) [4] ، وكان الحسن بن صافي (ت 568 هـ) [5] قد لقّب نفسه بملك النحاة و (( كان يستخف بالعلماء، فكان إذا ذُكر واحدٌ منهم يقول: كلب من الكلاب ) ) [6] ، وكان تلميذه شُميم الحلّي (ت 601هـ) [7] لا يعبأ بالعلماء؛ المتقدمين منهم خاصة، قال ياقوت (( إجتمعت به فرأيته كثير الاحتقار للمتقدمين ) ) [8] ؛ وكان (( يُزري على المتقدمين ويصف ويجهّل الأوائل ويُخاطبهم بالكلب ) ) [9] ، وممن عرف بذلك أبو عمر الكلبي (ت 634 هـ) [10] ، كان (( يسيء

الأدب في درسه على العلماء )) [11] .

ربما صار مفهومًا لدى هؤلاء العلماء إن النقد يبيح لهم حرمة غيرهم من النحاة، فقد كان بعضهم إذا أراد أن يضع كتابُ ردٍّ في النحو مضى يصف ويسبّ ويشتم؛ حتى لا تكاد تفهم من مراده شيئًا سوى ذلك؛ وقد شغل نفسه بأوصاف لاطائل تحتها، من ذلك الرسالة التي حررها إبن الطراوة (ت 528 هـ) لنقد كتاب (الإيضاح) لأبي علي الفارسي ـ التي سبقت الإشارة إليها ـ وقد شنّع فيها على أبي علي الفارسي أيّما تشنيع بحكم أنه ناقد وأن غريمه مخطئ، قال ناقدًا أبي علي الفارسي في موضع منها: ((

(1) بغية الوعاة: 1/ 210.

(2) المصدر نفسه.

(3) سيأتي التعريف به وبردوده على النحاة.

(4) معجم الأدباء: 8/ 122.

(5) هو علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت النحوي اللغوي، الأديب الشاعر، من أهل الحله الزيديه، تلّمذ على ملك النحاة الحسن بن صافي، وله (الحماسة) و (شرح اللمع) وغيرهما. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 156 - 157.

(6) بغية الوعاة: 2/ 156.

(7) معجم الأدباء: 13/ 53.

(10) هو عثمان بن حسن بن علي الجُميِّل السبتي اللغوي أخو أبي الخطاب بن دحبة، سمع من إبن بشكوال وبن خير، وقد أولع

(8) بالتقعير في كلامه ورسائله فمقت، وكان متساهلًا يحدِّث من غير أصل. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 133.

(9) بغية الوعاة:2/ 133.

(10) سبأ: 52.

(11) رسالة الإفصاح: 35 - 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت