وكتابه باعثًا لحركة نقدية واسعة بين صفوف العلماء على مرّ القرون، فبين رادّ عليه؛ كالمبرد، والحسن بن صافي (ملك النحاة) وابن مضاء، وبين منتصرٍ له؛ كابن ولاّد،،وابن درستويه، وبين محتجّ بقوله وآخذ برأيه؛ كابن السِّيْد وابن الطراوة [1] . ومع ظهور أول كتابٍ نقديٍّ تطبيقيٍيٍّ مستقل - ذاك هو كتاب (مسائل الغلط، أو الرد على سيبويه) للمبرد [2] - بدأ العدُّ، فقد خرج النقد النحوي من طور الظاهرة إلى صيرورته إتجاهًا تأليفيًا مستقلًا في النحو، وصار النزوع إلى هذا الاتجاة ضرورة لازمة من ضرورات هذا العلم ينزع إليها النحاة كواحد من أخطر أدوات التنظير و أهمها.
إن الشوط الذي قطعه هذا النقد في هذه المراحل كان قد خطى بالنقد النحوي خطوة واسعة؛ ففرق بين أن تضم كتب النحو مؤاخذات نقدية متفرقة في تضاعيفها؛ وبين أن تُجمع في كتاب نقدي مستقل؛ تُرسم فيه أبعاد ظاهرة كاملة ونظرة تطبيقية مستقلة، وفرق بين أن تكون جلَّ مواضيع هذه الآراء النقدية المبثوثة مسألة نحوية بسماعها وقياسها، وبين أن يكون الكتاب النحوي موضوعًا لها؛ بما فيه من منهج وأسلوب ومسائل و آراء. والنقد التأليفي أو نقد المتون - فضلًا عن ذلك - لا يتقيد بعاملي الزمان والمكان؛ ولهذا إمتاز نقد المتون عن نقد المجالس بمزايا عدة، كان ذلك نتيجة لتمايز الوسيلة المتبعة في النقد لا النقد نفسه. فالناقد في النقد التأليفي أفاد من عاملي الزمان والمكان اللذين كانا عائقًا أمامه في نقد المجالس؛ فلا غرابة أن يغلب على أحكام النقاد في هذا الجانب: الرجاحة والدقة والضبط فضلًا عن التثبّت؛ نظرًا للفسحة الزمنية التي منحها الكتاب للنقاد حين ضنّت بها المجالس، كما أنها تجاوزت قيد المعاصرة وشرّعت أمام النقاد مؤلفات السابقين واللاحقين بلا استثناء، وكان طبيعيًا أن ترجع هذه المزايا التي يمتاز بها كل قسم منهما إلى الوسيلة المتبعة في عرضه، وسنلمُّ بشيء من هذه السمات والفروق التي امتاز بها كل قسم نقدي منهما عن قرينه في قابل البحث.
وإذ يفيد النحاة من الفروق القائمة بين الوسيلتين الشفوية والتحريرية المتّبعتين في النقد النحوي؛ فقد عملوا على تجاوزها بفضل النقد التأليفي الذي ساعد على نضوج الأداة النقدية لدى النحاة مع صيرورتها إتجاهًا نقديًا مستقلًا، فترك لنا النحاة آثارًا جمّة فيه، ولئن ضنّ النحاة بالنظر في النقد النحوي أو التنظير له، فقد جادت قرائحهم بسيل عرم من المؤاخذات النحوية والردود التطبيقية؛ حتى أوشك النقد التطبيقي أن يشاطر التراث النحوي مكتبته، فلم تخل' مؤلفات النحو على إختلاف مناهجها من أثر للنقد، خلا كتاب نحوٍ أو يكاد من مؤاحذةٍ أو ردّ، بل أمسى الحديث عن النقد النحوي وعن مضانّة؛ حديثًا عن التراث النحوي برمّته، إذ قلّ أن تجد عالمًا لم يضع ردًا على أقرانه وسابقيه؛ إلّم يكن بكتاب فبرأي، وكان حقًّا قول ياقوت الحموي: (( فإنّي لا أعلم كتابًا سُلِّم إلى مؤلِّفه فيه، ولم يتتبعه بالتتبع من يليه ) ) [3] ، والمؤلفات النحوية باعتبار ما تحويه من مادة نقدية تنقسم على مجموعتين:
(1) معجم الأدباء:6/ 156.
(2) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) :1/،176،256،323،2/ 58.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 181،398،407،412.