فهرس الكتاب
والناصب للمستثنى المتصل هو [75 ظ] إلا عند ابن مالك ومن تبعه، وقد قيل إنه مذهب سيبويه وهو الأصح. وقيل ما قبل إلا من فعل أو شبهه بواسطة إلا ووجوب النصب فيما ذكرنا هو المشهور في كتب العربية، وقد سُمِعَ الرفعُ مع توفر الشروط كقوله - صلى الله عليه وسلم - (الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم) (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (كُلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون) (2) ، وقرئَ (فشربوا منه إلا قليلُ) [البقرة / 249] بالرفع (3) والأصح أنَّ المرفوع مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله أي إلا ذكر الله ... الخ فليس بملعون، وإلا المجاهرون ليسوا معافين، وإلا قليلٌ منهم لم يشربوا، والجملة في ذلك كله استثناء منقطع فمحلها النصب وجيء المستثنى جملةً هو ما عليه ابن هشام تبعًا للفراء وابن خروف وغيرهما وهو الأصح. ومنه قوله تعالى (إلا من تولى وكفر * فيعذبه اللهُ العذاب الأكبر) [الغاشية / 23 ـ 24] فمن مبتدأ خبره فيعذبه والجملة استثناء منقطع. (4)
(ففي تمامٍ) والصواب التعبير بالواو لا الفاء أي وفي الكلام التام بأن ذكر المستثنى منه فيه أيضًا ولكن غير موجب بأن تقدمه نفي أو شبهه يجعلون له وجهين متصلًا أو منقطعًا نصبًا بالاستثناء أو رفعًا بدل بعض عند البصريين، ولم يصرح معه بضمير لأن قوةَ تعلُق المستثنى منه تغني عن الضمير غالبًا قاله الأزهري، فيعرب حينئذٍ إعراب ما قبله من رفعٍ ونصبٍ وجرٍ كما أتى القوم إلا خالدٌ، وكذا يجوز إن قلتَ ما أتى القومُ إلا خالدًا نُقلا، وما مررتُ بالقومِ إلا زيد، جاز فيه النصب على الاستثناء لأنه الأصل. والأرجح في المتصل البدل، أي يجعل المستثنى بدلًا من المستثنى منه فيتجه في إعرابه على أنه بدل بعض نحو قوله تعالى (ما فعلوه إلا قليلٌ منهم) [النساء / 66] .
والمراد بشبه النفي النهي نحو (ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك) [هود / 81] والاستفهام نحو (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر / 5] والنصب في المستثنى المتصل عربي جيد قرئَ به في السبع (في قليل وامرأتك) (5) وإن كان [76 و]
ـــــــــــــــــــــــــــ
1.الحديث رواه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل برقم (2322) وقال عنه: هذا حديث حسنٌ غريب. جامع الترمذي: 4/ 486.
2.الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه برقم (6069) بلفظ: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) بالنصب، أما روية الرفع فلم أقف عليها.
3.تفسير البيضاوي: 1/ 132.
4.الكواكب الدرية: 2/ 39.
5.قراءة النصب في قوله تعالى (إلا قليلٌ منهم) [النساء / 66] هي قراءة ابن عامر، إذ نصب (قليلًا) على الاستثناء أو على الإتباع لمصاحف أهل الشام، فإنها في مصاحفهم بالألف فأجريَ النفي مجرى الإيجاب في الاستثناء، لأن الكلام فيها يتم دون المستثنيين، تقول: ما جاءني أحدٌ، فيتم الكلام، وتقول: ما جاءني القوم، فيتم الكلام. ثم تستثني إذا شئتَ فيهما بعد تمام الكلام، فجرى النصب في النفي مجرى الإيجاب لاتفاقهما في تمام الكلام قبل المستثنى. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/ 392.
أما قراءة النصب في قوله تعالى (ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك) [هود / 81] فهي قراءة القراء السبعة عدا ابن كثير وأبي عمرو، وقد نصبت (امرأتك) على الاستثناء من الإيجاب في قوله (فأسرِ بأهلكَ) ويجوز أن يكون الاستثناء مع النهي لأن الكلام قد تمَّ قبله. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/ 536.