حاضر العالم الإسلامي
وقضاياه المعاصرة
"العاقل من يستعرض ماضيه ويتطلع إلى غده"
د. جميل عبد الله محمد المصري
أستاذ التاريخ الإسلامي بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية
بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الجزء الأول
طبعة معدلة ومنقحة ومزيّدة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونؤمن به، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى صحابته الأولين من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه بإحسان الى يوم الدين. . . وبعد:
إن مادة حاضر العالم الإسلامي من أعظم المواد خطرا، لاتساعها وشمولها، ولتشابك مشكلات العالم الاسلامي وقضاياه، واختلاطها ببعضها من جهة وبالمشكلات العالمية وقضاياه من جهة أخرى، فضلا عن كون هذه المشكلات مرتبطة بجذور ممتدة إلى عصور طويلة ذات ارتباط بجذور المشاكل الغربية الأوربية المعقدة. ويضاف الى ذلك قرب الحوادث المتناولة، وتعقيداتها، يجعلان مجهود العرض الذي نقوم به صعبا جدا.
ونحن في زمن تقاربت فيه المسافات واتصلت المجتمعات وتشابكت المصالح لسهولة المواصلات وتوافر وسائل الإعلام من: صحافة، ومذياع، وتلفاز، وخيالة، واتصالات سلكية ولاسلكية، وأقمار صناعية. فيحس المسلم بغربة وضياع وتمزق بين: عقيدة يعتنقها، ويؤمن بها، وبين واقع مغاير لهذه العقيدة. تتجاذبه العقيدة والواقع، فيقف على مفترق طرق، إما أن ينحرف مع الواقع ويتخلى عن عقيدته فيتيه مع التائهين، أو يختار العزلة والغربة عن واقعه، فيصبح خطرا على نفسه، وعلى أمته، ودينه، ومجتمعه، أو أن يدع الأمور تجري على اعنتها مكتفيا بنفسه متخذا موقفا سلبيا تجاه قضايا أمته وقضايا الإنسانية عامة، بل وينظر إليها نظرة الكراهية والحقد.
ونحن لا نريد للداعية المسلم أن يكون أحد هؤلاء، فللداعية شروط ينبغي توافرها منها ثقافته، ومنها علمه، ومنها لباقته، ومنها نهجه، وأهمها إيمانه بدعوته وقضيته التي يدافع عنها ويسعى الى نشرها، فنريد من الداعية أن يكون مسلما واعيا ويخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويؤثر، يدعو الى دينه بالحكمة، والموعظة الحسنة، وأن يكون قدوة حسنة بتطبيقه مبادىء الإسلام على نفسه أولا، وأن يكون الطبيب البارع المتمكن من طبه العالم بأمراض الناس وأدوائها، الشفيق على الإنسانية. . . لا تضيره صفعة مريض أو شتيمته أو كراهية رائحته، يقف على أبواب جهنم يمنع الناس أن يكبوا أنفسهم فيها، نعم، نريده كذلك في وقت تكالبت فيه عناصر الشر والفتنة على العالم الإسلامي وعلى الإسلام، في هجمة شرسة، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟. قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن."
فقال قائل: وما الوهن؟
قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [1] ."
(1) رواه الإمام أحمد عن ثوبان، وهو عند أبي داود أيضا عن ثوبان - كتاب الملاحم - الباب الخامس: تداعي الأمم على الإسلام - ج 2 ص 446. وانظر فقه أبي داود رحمه الله في تخصيص التداعي بالإسلام.