وبعد:
فمن خلال هذه المسيرة الطويلة التي استعرضناها في هذا الكتاب، ومن خلال الربط بين ماضي المسلمين، وحاضرهم، ومستقبلهم، اتضح لنا أن المسلمين في مسيرتهم الطويلة تعرضوا إلى عوامل الإرتفاع وعوامل الإنحدار، وكانت عوامل ارتفاعهم في اقترابهم من نهج الإسلام، وعوامل انحدارهم وضعفهم في ابتعادهم عن هذا النهج، أو في انحرافهم عنه. والخط البياني لهذه الأمة يبين بوضوح عوامل الإرتفاع وعوامل الإنحدار بالنسبة للقرب أو البعد عن نهج الإسلام.
كما ظهر بوضوح أن أمة الإسلام موجودة بالفعل، ولها وزنها، صحيح أنها تضعف، وتهزل، ولكنها لا تنتهي، ولا تزول بإذن الله. فهي تملك مقومات الإبتعاث من جديد، بعد كل كبوة، إذ أن الأساس الذي ترتكز عليه وهو الإسلام محفوظ مصون، في كتاب الله سبحانه وتعالى، ذلك الكتاب الذي تكفل سبحانه بحفظه، ولم يكله إلى أحد من خلقه:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
والإسلام محفوظ مصون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هيأ الله سبحانه لها من دونها وحفظها.
وقد أخذت حركة انبعاث الإسلام بين المسلمين تبدو جلية واضحة - في الربع الأخير من القرن العشرين الميلادي، ومع مطلع القرن الخامس عشر الهجري - في مختلف بقاع المسلمين، من جبال عذراء ماليزيا على شواطيء المحيط الهادي، مرورا باندونيسيا وكابل وأنقرة غربي آسيا، ممتدة وعابرة قارة أفريقيا بأجمعها إلى المحيط الأطلسي، وانتهاء بالعالم الجديد - أمريكا -.
وأخذ كتاب الغرب - على اختلاف عقائدهم ونزعاتهم - يحذرون من هذه الصحوة، وتحسب لها القوى العالمية الحسابات. وكمثال على ذلك قالت الكاتبة الفرنسية - باري ماتش - محذرة الغرب من مظاهر الصحوة الإسلامية [1] :
"من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ومن أفريقيا السوداء إلى حدود سيبيريا، بدأ صوت الإسلام يرفع راية الإسلام في كل مكان، وراية الإسلام تخفق من جديد، بعد طول غياب في بعض الأماكن، بينما هي تستعد للإرتفاع في مناطق أخرى، فما هي الإحتياطات التي ينبغي على الدولة الغربية أن تتخذها في مواجهة ذلك؟ وكيف تستطيع أن تدرك حقيقة ما يجري لكي لا تفاجأ بالأحداث؟".
(1) موفق المرجة - صحوة الرجل المريض ص 395.