تخلى العرب والمسلمون عامة عن الدور المنوط بهم في قيادة البشرية وتوجيهها وهدايتها، فتداعت عليهم الأمم والشعوب لكي يظفر كل بما يريد وهم في جمود وضعف، ليس من بعده ضعف، ولقد بدأ الإنحراف في تصرفات بعض الحكام المسلمين قديما، غير أن نقض عروة الحكم لم يظهر إلا في العصر الحديث حين بلغ المسلمون قرارة الضعف وغاية التدهور، فقد كان الإسلام طيلة القرون السابقة أعمق في النفوس من أن يستبدل به أي منهج آخر، وكانت الجاهلية أحقر من أن تطاوله أو تطمع في أبنائه.
روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لينقضن الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة يتشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن نقضا الصلاة" [1] .
وقد أدرك الغربيون - التي تولت حضارتهم قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارة الإنسانية - أهمية الحكم في الإسلام فعملوا على إبعاد أحكامه وإلغاء الخلافة - العقد الذي يجمع المسلمين ليتبعثروا بعد ذلك -. كما أن خبراءهم لم يجمعوا في الشئون الإسلامية على شيء مثل إجماعهم على توقع الخطر من جانب الشعوب الإسلامية التي يرون مظاهر اتحادها وطلائع تكتلها حقيقة واقعة يصعب تجنبها، يجد القاريء هذا الاحساس واضحا في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) للوثروب ستودارد [2] . وكتاب المستشرق الهولندي هورجرونيه، كما يجده في مقال الوزير الفرنسي المشهور (هانوتو) الذي رد عليه محمد عبده في مطلع القرن العشرين [3] . ويجده بشكل أكثر صراحة في كتاب (إلي أين يتجه الإسلام) الذي أشرف على نشره وجمع مواده المستشرق الإنجليزي (هـ. أ. جب) سنة 1932 م والذي اشترك في تحريره أساتذة متخصصون في الدراسات الإسلامية والشرقية من جامعات فرنسا وألمانيا وهولندا وإنجلترا، وفيه يبرز عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيعا وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الإهتمام بتدريس التاريخ القديم على الإسلام لتلاميذ المدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال به، ومثل العناية بتمييز كل من هذه البلاد بزي خاص ولا سيما غطاء الرأس - مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره [4] . كما قال مستر (بلنت) في كتابه (مستقبل الإسلام) بعد أن أبان أغراض حكومته الانجليزية وأمانيها في مستقبل الإسلام في فاتحة كتابه [5] .
لا تقنطوا فالدر ينثر عقده ... ليعود أحسن في النظام وأجملا
(أي أن هدم السلطنة العثمانية لا يضر بالمسلمين بل أن هذا العقد العثماني ينثر ليعود عقدا أحسن وأجمل. . .)
(1) المسند ج 5 ص 251، والجامع الصغير - صحيح -.
(2) انظر ص 21 - 23 من حاضر العالم الإسلامي. وانظر ص 12 - 14 الجزء الأول [كما في النسخة المطبوعة] .
(3) الاتجاهاتا لوطنية ج 1 ص 347 وما بعدها.
(4) انظر الاتجاهات الوطنية ص 140 - 142.
(5) نفسه ج 1 ص 25 / المسألة الشرقية لمصطفى كامل ص 19 - 22.