بقي العالم الإسلامي يمثل كتلة سياسية واحدة رغم ما أصابه من انحراف وجمود، ورغم ما أصابه من فرقة وتشتت، يتمسك بمفهوم الولاء والبراء الإسلامي، ويجمعه رمزالخلافة، والبيت الحرام. ويطلق على غير المسلمين الكفار، ولا يقبل الخضوع لهم، بل ويتحداهم رغم ضعفه وهوانه. وكانت قد إبتدأت فيه عوامل اليقظة الفعلية وكان من الممكن أن يستعيد ذاتيته ودوره في التوجيه العالمي وفي قيادة العالم عندما انبثقت من قلب الجزيرة العربية - منذ منتصف القرن الثامن عشر تقريبا (القرن الثاني عشر الهجري) - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعيدة عن التحديات الخطيرة التي واجهها العالم الإسلامي كله من خلال النفوذ الأجنبي الزاحف، وهذا ما أعطاها قوتها ومكن لها وأتاح لها فرصة البقاء والتأثير، كما زاد من قوتها وأثرها أنها انبعثت في مكان الدعوة الإسلامية، وأنها استهدفت كل المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي قاصدين بيت الله الحرام، ودعوتها إلى التوحيد أقوى علامات المقاومة للاستعمار والنفوذ الغربي والانحرافات في عالم الإسلام بحسبان أن الإسلام دعوة خاصة لا تقر بالعبودية إلا لله وحده، متخطية جبرية التصوف والتواكل - وقد تحولت هذه الحركة إلى دولة عندما التقى اشيخ محمد بن عبد الوهاب بالإمام محمد بن سعود في الدرعية وتعاهدا على نشر عقيدة التوحيد الخالصة، وتطبيق شرع الله، ومن ثم بدأ الجهاد في سبيل الله، حتى عم التوحيد ربوع الجزيرة العربية، وقد حرص الاستعمار على وأدها والقضاء عليها وحمل عليها الحملات وأوغر عليها صدر الدولة العثمانية التي رأت فيها خطرا عليها وعلى نفوذها، فتمكن محمد علي باشا والي مصر من اسقاطها. ولكن الحركة لم تمت بل وسعت مداها وتأثر بها دعاة السلفية في الهند والعراق والشام ومصر والمغرب جميعا، فكان من تلاميذها الألوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين القاسمي في الشام، وخير الدين في تونس، وصديق حسن خان في يهوبال بالهند، وأحمد بن عرفان الشهيد بالهند [1] . وهكذا سجلت الحركة يقظة إسلامية قبل قدوم نابليون بأكثر من ستين عاما. وانبعثت منها السنوسية على يد محمد بن علي السنوسي، الذي تلقاها في مكة وكونت جيلا قادرا على أن ينشر الإسلام في أنحاء أفريقيا ويشكل في الوقت نفسه كتائب للجهاد في سبيل الله في الجزائر وليبيا. وكان قد بدأ عمله الجاد عام 1258 هـ / 1842 م بالبيضاء في الجبل الأخضر حتى توفي سنة 1273 هـ / 1856 م. وبالدعوة السنوسية واصل الإسلام مده في أفريقيا فأصبحت بحيرة تشاد مركزا للإسلام في أواسط أفريقيا ثم امتد عمل السنوسيين حتى بلغ النيجر الأدنى. وتأسست ممالك إسلامية مثل سلطنات رابح وأحمد وساموري. حتى أن مسيو (رودفريرجن) قال:"إن السنوسية هي المسئولة عن جميع أعمال المقاومة التي قامت ضد فرنسا في الجزائر وأن السنوسية هي المدبرة لجميع نكبات فرنسا في الشمال الأفريقي وفي السنغال. . . وهي العقبة في سبيل توسعنا الاقتصادي والسياسي داخل أفريقيا وهي عائق في طريق أهدافنا في القارة الواقعة شمال خط الاستواء" [2] .
وقد تحولت الحركة كليا إلى مقاومة عسكرية مسلحة عندما دخلت إيطاليا طرابلس الغرب عام 1329 هـ / 1911 م.
(1) الجندي - العالم الإسلامي والاستعمار ص 255 / وانظر حاضر العالم الإسلامي - لوثروب.
(2) نفسه ص 263.