الصفحة 134 من 543

كذلك برزت في السودان حركة ثالثة وهي حركة محمد أحمد - الحركة المهدية - وقامت حركته على الجهاد وتحرير مفهوم الإسلام من البدع والخرافات معا، واستطاعت الحركة أن تواجه الحملات التي شنتها بريطانيا في ظل احتلال مصر (1300 - 1316 هـ / 1882 - 1898 م) وأن تسحق كل عمليات الغزو التي وجهت إليها [1] . إلى أن تمكن (كتشنر) القائد الإنجليزي من القضاء على ذلك الكيان عام 1316 هـ بعد أن تمكنت بريطانيا من عزل الدعوة عن جيرانها المسلمين وتشويهها.

وقد حاول المستعمر الغربي تشويه الحركات الإسلامية الثلاث وعمل على القضاء عليها جميعا وعلى الحركات التي مثلها تقوم على أساس الإسلام في الحكم وتعلن الجهاد في وجه الغاصب. وعمد إلى إشاعة فكرة فصل الدين عن الحياة في العالم الإسلامي [2] .

وقد ابتدأ الإنحراف غير المقصود عن الحكم بالإسلام في جناحي العالم الإسلامي القويين - تركيا ومصر، من منطلق التخلص من جمود الفقه الإسلامي أمام التغيرات الحيوية الجديدة ومن توهم المسلمين بأن سبب تخلفهم هو عجزهم التنظيمي والإداري وأن محاكاة أساليب الحياة الغربية جديرة بالقضاء على ذلك التخلف. وعلى هذا الأساس قامت الحركة المسماة حركة الإصلاح في جناحي العالم الإسلامي. ولمرونة المفهوم واتساعه صاحب حركة الإصلاح من سوء الفهم وغبش التصور مما أدى آخر الأمر إلى سحق الشريعة الإسلامية باسم الإصلاح. فنشأت في تركيا حركة ثورية تطالب بالإصلاح الداخلي الذي تمثل في وضع حد لسلطة السلطان عبد الحميد المطلقة، وقد لمع اسم مدحت باشا [3] في حركة الإصلاح المرنة هذه فصمم على إيجاد دستور وفق الأحكام الغربية الصرفة بغية إرضاء الدول الأوروبية ليلقى الدعم والتأييد وذلك في زمن السلطان عبد العزيز والسلطان مراد الخامس والسلطان عبد الحميد حيث تولى الصدارة في عهده تحت ضغط الدول الأوروبية ليفسح لهم المجال في نشر الأفكار الغربية فوضع دستورا دعاه: قانون أساسي عام 1294 هـ استوحاه من الدستور البلجيكي، فأصبح الدستور البلجيكي المعدل دستورا للدولة الإسلامية العثمانية بعد أن كان الإسلام هو دستور الدولة. فلم ينفذه السلطان عبد الحميد ونفى مدحت باشا وقد ثبتت اتصالاته بالانجليز في وقت كان فيه (دزرائيلي) . اليهودي رئيسا لوزراء بريطانيا. وأخذ عبد الحميد يدعم مركز الخلافة وتقوية الجامعة الإسلامية [4] . فقامت خلية جماعة الاتحاد والترقي في سلانيك (كما سبق وأن بينا) . التي عملت على اسقاط عبد الحميد واقصاء الشريعة الإسلامية من حكم تركيا -، - ثم مصطفى كمال الذي قضى نهائيا على الشريعة الإسلامية في تركيا. وسار بتركيا مسيرة من يجعل الإسلام أجنبيا عن الحكومة التركية. وكان قادة حركة الإصلاح التركية من مختلف الميول والاتجاهات فضياء الدين وقع في يده كتاب أدمون ديمولان عن سر تقدم الانجليز السكسونيين ومن ثم اعتنق فكرة اللامركزية.

وأحمد رضا كان قد تعرف على أوغست كونت فاعتنق الوضعية إلى حد أنه أصر على تأريخ منشوراته بالتاريخ الخاص بالوضعيين وحذف التاريخ الهجري. وأمه نمساوية وأبوه كان يعرف باسم انجليزي علي بك نظرا لميوله للإنجليز وحبه لهم.

ونامق كمال كان وطنيا متأثرا بالنزعة القومية التي عاصرها أثناء إقامته في العواصم الأوروبية المختلفة [5] .

(1) الجندي - نفسه ص 269.

(2) انظر - شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي - فصل عن قضية فصل الدين عن السياسة ج 3 ص 351 - 364.

(3) انظر علي حسون (ولد مدحت عام 1237 هـ وتوفي عام 1301 هـ في الطائف) . ص 163.

(4) نفسه ص 199.

(5) كشك - القومية والغزو الفكري ص 262 - 263. وانظر أسرار الانقلاب العثماني ص 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت