وأما مصطفى كمال فقد تمت صناعة بطولته بكل دقة وألقى اليونان في البحر قكان على يديه انتهاء الخلافة وإعلان العلمانية، بل وصف الأمير شكيب أرسلان حكومته أنها: دولة مضادة للدين والحكومة البلشفية في روسيا سواء بسواء [1] .
والواقع أن مصطفى كمال قد صنع نموذجا صارخا للحكام في العالم الإسلامي بالتخلي عن أحكام الإسلام وكان لأسلوبه الاستبدادي الفذ [2] . أثره في سياسات من جاء بعده منهم. كما أنه أعطى الاستعمار الغربي والشيوعي مبررا كافيا للقضاء على شريعة الإسلام.
أما في مصر:
فقد حاول نابليون بونابرت. عندما قام بحملته على مصر عام 1798 م (كما سبق) - تنحية الشريعة الإسلامية، وإحلال قانونه بدلا منها، فقاومه علماء الأزهر، ومعهم الأمة، ففشل، وفشل خلفه (كليبر) الذي سقط قتيلا بيد (سليمان الحلبي) المسلم رحمه الله، وكذلك فشل جاك مينو الذي تظاهر بالإسلام، واسمى نفسه عبد الله، وتزوج مسلمة من رشيد واسمى ابنه سليمان.
ثم بدأ الانحراف عن الشريعة منذ زمن محمد علي باشا. وفي عهد إسماعيل الذي كان هدفه الأكبر هو أن يجعل مصر قطعة من أوربا [3] . وأما في عهد الاحتلال البريطاني فقد لقي دعاة الإصلاح تشجيعا من كرومر لأن هذا الإصلاح يحقق له هدفين:
فهو يشغل الرأي العام بما يطرح على بساط البحث من مسائل وما يثار من مشاكل فينصرف عن الانسياق في تيار الكراهية للإحتلال الإنجليزي.
ثم إن الإصلاح يدعم في الوقت نفسه حجة الاستعمار في أنه دائب على العمل لترقية مصر وإصلاحها. ولذلك أطلق كرومر في دعوته عدد من النصارى بعضهم من الشام وبعضهم من مصر [4] فأخذوا بمساعدة بعض العلماء والزعماء يعملون على حركة إلغاء الإسلام أو عزله عن شئون الحياة كلها.
فأحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل) كتب في جريدته: (الجريدة) :"إن الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر، ولا ينبغي أن نحاربهم، ونقاومهم، إنما واجبنا أن نتعلم منهم، ثم نتفاهم معهم، بعد ذلك، لتصفية ما بيننا وبينهم من خلافات".
فكان رأيه هذا المرة الأولى في التاريخ الإسلامي، توجه فيها الأمة إلى قبول أولياء الأمر لهم من غير المسلمين [5] .
وأنشيء الحزب الوطني الحر الذي نطقت باسمه جريدة المقطم الصريحة في ولائها للانجليز لا تستخفي ولا تداري [6] . وكذلك حزب الأمة الذي دعا إلى التحرر الفكري والتعاون مع الأوربيين في كل مجالات الحياة ثقافيا وإقتصاديا وسياسيا وكان اللورد كرومر يسميهم حزب الشيخ محمد عبده ويعقد عليهم الآمال في مستقبل مصر السياسي ويوصي ممثلي الاحتلال بأن يمنحوهم كل عون وتشجيع [7] .
وكان الانجليز أيضا يحتضنون في مصر كل مناهض للسلطان العثماني، وكل معارض للخديوي الذي يستمد وجوده الشرعي من ذلك السلطان وكل داع إلى الإصلاح الداخلي، لأنهم يريدون أن يشغلوا الناس عن التفكير في الجلاء [8] . فكانت سياستهم تدور حول خطتهم السياسية المشهورة: فرق تسد Devide in order to conquer . [9]
(1) حاضر العالم الإسلامي للوثروب ج 3 ص 358.
(2) انظر أرمسترونغ - الرجل الصنم.
(3) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 190.
(4) الاتجاهات الوطنية ج 1 ص 255 - 256.
(5) واقعنا المعاصر ص 307.
(6) الاتجاهات الوطنية ج 1 ص 93.
(7) نفسه ج 1 ص 95.
(8) نفسه ج 1 ص 108.
(9) نفسه ج 1 ص 113.