وكانت بريطانيا عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها من البلاد غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها بأن يتولاها علماء: (ذوي طابع تحرري) تتم تربيتهم بإشرافه في معهد خاص لقضاة الشرع [1] . وأنشأ مجلس شورى القوانين [2] . وأصبحت تشتد الدعوة في فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية أو فصل الدين عن الحياة وشئونها أسوة بأوربا [3] . واستغل كرومر صداقة الشيخ محمد عبده استغلالا بشعا مما دعا باحثا أوربيا مثل (جب) لأن يقول:". . . وهذا الرأي يعتبر لبنة في بناء الحركة المتمدنة أو خشبة الخلاص في حركة التحرر العلمانية" [4] . والواقع أن فتاوى محمد عبده وآراءه الجريئة جعلت أولئك يعتبرونه من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي، فقد تجرأ على اضعاف مفهوم الولاء والبراء، ودار الحرب ودار الإسلام، فقد أعلن جواز الاستعانة بالكفار وأهل البدع والأهواء فيما ينفع المسلمين، حين استفتاه بعض مسلمي الهند الذين يدعون إلى إنشاء الجمعيات لتربية أيتام المسلمين مستعينين ببعض الأجانب غير المسلمين [5] . فأوجد الشيخ بقصد أو بدون قصد القاعدة التي ارتكز عليها دعاة الإصلاح للتعلق بأذيال الغرب وإقصاء الإسلام عن توجيه الحياة. وتطويعه لقبول الأمر الواقع. إذ ظلوا ينقضون الإسلام عروة عروة حتى أن المعركة بعد ذلك أصبحت تدور ضد قانون الأحوال الشخصية وهو البقية الضئيلة من آثار الشريعة الإسلامية.
هذا وقد عاصر الشيخ محمد عبده رجل آخر من دعاة الإصلاح في الشام هو عبد الرحمن الكواكبي (ت سنة 1320 هـ / 1902 م) وهو أول من نادى بفكرة فصل الدين عن الحياة بمفهومها الأوربي الصريح فهو يقول في كتابه طبائع الاستبداد طبع سنة 1319 هـ / 1901 م:
"يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلّكم من أن تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فبهذه أمم أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني والوفاق الجنسي دون المذهبي والارتباط السياسي دون الإداري. دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمات سواء: ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء" [6] .
وكان قد أصدر كتابه أم القرى سنة 1317 هـ / 1899 م، وورد فيه آراء لم تخل من إشارات مريبة إلى موالاة الدول المستعمرة فقد قال:"وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة والإستفادة من إرشاداتها وإن كانت غير مسلمة، وسد أبواب الإنقياد ولو لمثل عمر بن الخطاب" [7] .
(1) على غرار الكلية التي أنشأتها النمسا في سيراجيفو لتخريج القضاة الشرعيين كما ذكر الشيخ محمد عبده نفسه ج 1 ص 347.
(2) انظر نفسه ج 1 ص 265.
(3) نفسه ج 1 ص 274.
(4) الاتجاهات الحديثة في الإسلام ص 72.
(5) الاتجاهات الوطنية - ص 343 ويضيف الدكتور محمد محمد حسين بعد أن أصدر الفتوى مثل هذه الآراء قد تبدو في ظاهرها ولا بأس بها ولا غبار عليها بينما هي في حقيقة الأمر تدعو إلى مذهب التحرر. . ."وقد أعيد نشر الفتوى في مجلة المنار يوم 17 ديسمبر عام 1913 م. مع تعليق للشيخ رشيد رضا. (واقعنا المعاصر ص 332 - 339) ."
(6) طبائع الاستبداد ص 112 - 113.
(7) انظر كتاب أزمة العصر للدكتور محمد محمد حسين ص 18 - 20 حول هذا الموضوع.