الصفحة 137 من 543

واقتفى الأثر عدد من الكتاب والصحفيين وغيرهم يطالبون بضرورة فصل الدين عن السياسة وإبعاده عن واقع الحياة باعتباره الحل الوحيد لمشاكل الشرق، وكان لجهود المستشرقين ودسائس المبشرين أعظم الأثر في تحقيق ذلك.

فتمكن المستعمرون عمليا من اقصاء الشريعة بل إسدال الستار على هذا الموضوع، وزرعوا الأحزاب القومية والوطنية والاشتراكية المتباينة التي تتفق جميعها على شيء واحد هو عدم رفع شعار الإسلام أو الدعوة إلى تحكيمه.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه مصر مؤهلة لقيادة العالم الإسلامي بعد سلخ تركيا عن الإسلام، وكان الاستعمار يلم شعثه لمغادرتها، ظهر كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) بوحي من المبشرين دعا فيه إلى فصل الدين عن الدولة بصراحة بأسلوب المستشرقين في تحوير الفكرة واقتطاع النصوص وتلفيق الواهيات وطريقة الباطنية في التأويل البعيد [1] ، كل ذلك ليدلل على أن الإسلام كالنصرانية علاقة روحية بين العبد والرب لا صلة لها بواقع الحياة. وكان قد سبقه سعد زغلول إذ أعلن بعد عودته من منفاه:"إن الدين لله، والوطن للجميع"فجاء الشيخ يؤيد هذه الفكرة.

وكان لكتابه آثار بعيدة فقد ترجم إلى اللغات الأجنبية وأصبح مرجعا معتمدا للدراسات الإسلامية في الغرب. وظهرت كتاباتهم متأثرة به، وهلل له سماسرة الاستعمار من الكتاب والصحفيين باعتبار مؤلفه متحررا متنورا، ووضعه البعض على رأس مرحلة فكرية عصرية. في حين ووجه بمعارضة شديدة من المسلمين المخلصين [2] .

وقد وجدت الأحزاب السياسية في كتابه ضالتها المنشودة فلم تعد تتحرج في إعلان إنتمائها للإتجاهات السياسية اللادينية شرقيها وغربيها وبراءتها من الدين والمتدينين. وقد حاصرت الدوائر الاستعمارية الكتب التي ردت عليه وأهملتها وسائل الإعلام حتى لم يكد يظهر لها صدى عند غير القلة المخلصة.

ومن بين الكتاب الذين ساروا على هذا الطريق خالد محمد خالد في كتابه: (من هنا نبدأ) هدف فيه إلى ما قصده الشيخ علي من قبل ولكن بأسلوب أذكى وأحدث [3] .

(1) العلمانية - سفر - ص 582. وانظر واقعنا المعاصر ص 321.

(2) انظر الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 85 - 95 / وقد حوكم علي عبد الرازق أمام هيئة كبار العلماء فأصدرت حكمها في 22 المحرم سنة 1344 هـ / 12 أغسطس سنة 1925 م بإخراج الشيخ أحد علماء الأزهر من زمرة العلماء).

(3) انظر رد الشيخ الغزالي عليه في كتابه: (من هنا نعلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت