الصفحة 138 من 543

ثم ظهرت أفكار كثيرة تبرر انتهاج الطرائق الغربية في الحكم وأسهمت وسائل الاعلام - لا سيما الصحافة - في نشر وتعميم تلك الأفكار حتى استحكمت غربة الشريعة وخفت صوت المكافحين عنها، بل أصبح - في نظر الغالبية العظمى - رمزا للرجعية والتأخر وسط ضجيج الدعوة إلى الإصلاح والتجديد وصخب الشعارات التي رفعتها الأحزاب القومية والوطنية والإقليمية والاشتراكية المتصارعة، فانسحب الإسلام من الحياة السياسية ليتخبط العالم الإسلامي وهيئاته السياسية في تجارب حكم جديدة، وترتب على ذلك انسحابه من ميادين الحياة الإقتصادية تماما وسيادة المباديء الرأسمالية والاشتراكية المتصارعة، كما انسحب تدريجيا من الحياة الاجتماعية (كما سبق) ، وانزوى في ركن واحد من العالم الإسلامي هو منبعه الأصلي في جزء من شبه الجزيرة العربية، وغدت الأمة ضائعة تبحث عن ذاتها شاردة لا تدري إلى أين تسير كما أصبحت حقلا للتجارب الفكرية الوضعية. وضاعت أصوات دعاة الإسلام وسط هذا الضجيج وحوربوا وطوردوا وضيّق عليهم بمختلف الأساليب، ولكن العد العمسي بدأ فأخذ كثير من أقطارالعالم الإسلامي يتلمس طريقه نحو الإسلام بعد أن قطع أشواطا في الضلال. ورحلة العودة هذه مملوءة بالصعاب تحتاج لعزائم الرجال والدعاة لشدة التغيرات التي أصابت المسلمين في مختلف ميادين حياتهم وغربتهم عن الإسلام وعن شريعة الإسلام. مما جعل (جب) يقول:

". . . وكان طبيعيا أن يبقى الإسلام. . . وقد يكون الدين الرسمي للدولة ولكنه سليب الحقوق التشريعية، ونزل إلى مكانة الديانة المسيحية في الدول الأوروبية، وقد اختلف تطبيق هذا المبدأ بطبيعة الحال وفق ظروف كل إقليم" [1] .

ونرى لزاما علينا أن نلخص آثار الاستعمار السياسية في العالم الإسلامي لتتضح صورة الواقع السياسي لبلاد الإسلام:

فقد خطا المسلمون خطوات واسعة في سبيل التحرر من الاستعمار وأفسدوا حلمه في البقاء الطويل، فاندلعت ثورات في الهند وأندونيسيا ومصر والجزائر والمغرب وليبيا والسودان والتركستان والقوقاز وأقطار أفريقيا الإسلامية فعمد الاستعمار إلى أساليبه المختلفة في إبقاء آثاره والحيلولة دون لقاء المسلمين ووحدتهم، فيثبت أوضاع المسلمين بعد رحيل الاستعمار كما هي بل وأشد انحرافا عن منهج الإسلام وشريعته. ومن هذه الآثار التي تركها:

1 -اقتسم المستعمرون العالم الإسلامي. فمزقوا وصلاته بين بريطانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا وهولندة وأسبانيا والبرتغال، وقد ترك كل منهم بصماته في الأقاليم التي تركها.

2 -انتزع المستعمرون أقساما من العالم الإسلامي وسلموها لغير المسلمين مثل فلسطين، وأريتريا، وصومال أنفدي، والصومال الغربي، وقبرص، ولبنان، وكثير من الأقطار الإسلامية الواسعة داخل الاتحاد السوفييتي، وأوربا الشرقية.

3 -جزأ الاستعمار العالم الإسلامي، وأقام الحدود المصطنعة وأبقى لكل قطر مشكلة مع جيرانه بعد رحيله ليحول بين المسلمين والتعاون فيما بينهم ولن تعوزنا الأمثلة لذلك: الصومال مع جيرانه، العراق وإيران، سوريا وتركيا، مصر وليبيا، السودان وجيرانها التسع، المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، تنزانيا، نيجيريا، أندونيسيا وماليزيا، الهند وياكستان، ثم بنغلاديش والهند، كشمير، اليمن الشمالي والجنوبي وعمان، ومشكلة كل قطر مع الآخر مستعصية، لا يحلها إلا الإسلام الذي أقصي عن الساحة.

(1) وجهة الإسلام ص 51 / وانظر باشميل - أكذوبة الاشتراكية العربية ص 19 - 23 في العمل لإقصاء الشريعة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت