الصفحة 150 من 543

فعجزت دول البلدان الإسلامية في عهد استقلالها عن استيعاب معنى التخطيط والإحاطة بمفهومه الواسع وما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج وتشابه إنتاجها، فأدى ذلك إلى تنافسها رغم ما تتمتع به هذه البلدان من تكامل اقتصادي.

هذا الواقع الاقتصادي المخزن للعالم الإسلامي وبقاء أثر الاستعمار في بلاد الإسلام أمر طبيعي في ظل غيبة النظام الاقتصادي الإسلامي، وهذا التخلف الذي يعاني منه عالم الإسلام لا يتحمل الإسلام وزره بل هو في الحقيقة عقوبة مستحقة من الله على المسلمين لتخليهم عن نظام الإسلام لا لتمسكهم به كما يزعم الزاعمون.

قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) [1] .

وقال سبحانه وتعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) [2] .

وهكذا فقد العالم الإسلامي مكانته وتلاشت قوته وانهارت دعائمه، وسقطت مكانته الأولى ومشت سكة الأجنبي في حقله [3] . باستمرار الاستعمار الفكري والثقافي الأجنبي بعد الاستقلال السياسي إلى اليوم بمختلف التيارات والعقائد والنظريات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، فكانت تأثيرا متصلا بالتأثير السابق أيام الاستعمار في القادة والساسة وأصحاب الرأي والمشرعين وفي الفرد المسلم بأسلوب التربية في هذه البلاد الإسلامية، فظلوا على ولائهم للعلمانية، وتلمسوا في تشريعاتهم القضائية والإدارية مراجع القانون الفرنسي والإنجليزي والشيوعي والإشتراكي. . . إلخ، فأصيبت الأمة بالهوان ولعل ذلك تصديق للنذير النبوي الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"يا معشر المهاجرين خمس خصال إن ابتليتم بهن ونزلن عليكم - أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكموا بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم" [4] .

وهذا الحديث يلخص بالفعل واقع العالم الإسلامي من جميع النواحي.

فالأمراض الاجتماعية التي انتشرت في المجتمع الإسلامي والتي استقدمها من الغرب وانحرافاته، والجفاف الذي يغزو أراضي المسلمين وامتداد التصحر في أقطاره، والخوف من الحكام وفقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم والتحديات الخارجية العاتية - الصليبية والشيوعية والصهيونية والهندوسية والخلافات المستفحلة المستحكمة بين الأقطار الإسلامية، والحروب التي تنشب بينها والتي لا تجد من القوى الكبرى عملا يوقفها أو يحد منها، بل تجد تشجيعا وتأييدا لتستمر تستنزف طاقة الأمة البشرية والمادية وتعمق الاقليمية والقومية والعداء بين أطراف النزاع. هذا هو واقع الأمة الإسلامية باختصار بينه هذا الحديث الشريف. فهي يعي المسملون ذاتهم؟ [5] .

(1) سورة طه الآيات 124 - 126.

(2) سورة الجن الآية 16.

(3) من أقوال المبشر زويمر سنة 1911 م في مؤتمر لكنو. وكان رئيسا للمؤتمر. - المبشر زويمر ومفترياته - حاضر العالم الإسلامي - للأمير شكيب ص 181 - 182.

(4) أخرجه ابن ماجه والطبراني في الكبير.

(5) انظر الباب الرابع من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت