الصفحة 17 من 543

1 -انشقاق المسلمين إلى فرق: فقد نجحت القوى الحاقدة على الإسلام، المتسللة في صفوف المسلمين، في شق المسلمين وصدعهم. فظهرت فرق الخوارج وفرق الشيعة وقد ناهضت كل منهما أهل السنة والجماعة، فعمل ذلك على تبديد طاقة المسلمين المادية والعسكرية والفكرية بتوجيهها إلى داخلهم في صراعات دامية. كما ظهرت فرق أخرى كالمرجئة والجهمية، والمعتزلة، وغيرها، أقلقت بال المسلمين وشغلتهم.

2 -اشتغال المسلمين بالفلسفة وعلم الكلام: اشتغل بعض المسلمين في العصر العباسي الأول (132 - 232 هـ) بترجمة العلوم اليونانية، والهندية، إلى اللغة العربية. ثم انحرف هذا الاتجاه الى ترجمة الفلسفة الإلهية الاغريقية، فدخلت الحياة الفكرية في العالم الإسلامي [1] .

فانشغلوا بما لا ينفعهم في دنيا أو آخرة، وبأمور جانبية، وكان ابن المقفع، وحنين ابن اسحق، وثابت بن قرة، وأضرابهم من الذين حملوا لواء هذا العمل قد استهدفوا غاية خطيرة هي نقل مذاهبهم وأديانهم إلى الفكر الإسلامي، وكان القسم الأكبر من هؤلاء النقلة من السريان، والأقل من اليهود، فنقلوا ما نقلوه وفق أهواء خاصة، وأكثرهم لم تكن غايته البحث عن الحقيقة، بل كان همهم الدعوة إلى شيعتهم، وتزيين أهوائهم الدينية، وإدخال ما ليس في الإسلام فيه. لذلك كانوا يغيرون ويبدلون في النصوص التي بين أيديهم خدمة لأغراضهم. وظهر علم الكلام متسلحا بالمنطق الذي كان الوسيلة لتنمية القدرات العقلية للفيلسوف حتى يتأهل للتلقي عن العقل الفعال.

وقد ذم بعض هؤلاء الفقهاء الكلام وأهله، قال أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه:"من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب" [2] .

وقال الإمام الشافعي:"حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم في القبائل والعشائر، ويضربوا بالجريد، والنعال، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة، وأقبل على علم الكلام، وقد أطلعت من أهل الكلام على شيء مما ظننت مسلما بقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهي عنه، ما خلا الشرك بالله، خير له من أن يبتلى بالكلام" [3] . وقال الإمام مالك:"أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام، لجدل هؤلاء؟" [4] .

(1) أرسل المأمون إلى حاكم صقلية النصراني يطلب منه أن يبادر بإرسال مكتبة صقلية الشهيرة الغنية بكتب الفلسفة، وتردد في إرسالها واستشار رجال دولته فأشار عليه المطران الأكبر بقوله:"أرسلها، إليه فوالله ما دخلت هذه العلوم في أمة إلا أفسدتها".

(2) شرح الطحاوية ص 72.

(3) نفسه ص 229، ص 72 / سير أعلام النبلاء ج: 1 ص 29.

(4) حلية الأولياء ج 6 ص 324، سير أعلام النبلاء ج 9 ص 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت