الصفحة 18 من 543

قال ابن الحصار:"إنما ظهر التلفظ بها زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه، واختلافهم في الجوهر وثبوته، والعرض وماهيته، فسارع المبتدعون، ومن في قلبه زيغ، إلى حفظ الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة، وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة، فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة، وصار للمبتدعة شيعة، والتبس الأمر على السلطان، حتى قال الأمير (المأمون) بخلق القرآن، وجبر الناس عليه وضرب أحمد بن حنبل على ذلك، فانتدب رجال من أهل السنة. . . فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم" [1] .

وفي القرن الرابع الهجري اتخذت الفلسفة طابع التحدي لعقيدة الإسلام، على يد ابن سينا (370 - 428 هـ) ، الذي يعتبر من أخطر فلاسفة المسلمين.

وقد نعته الذهبي بأنه:"رأس الفلاسفة الإسلاميين، الذين مشوا خلف العقول، وخالفوا الرسول" [2] وتاب في آخر أيامه [3] . وقد روى عنه تلميذه ابن أبي أصيبعة:"أنه يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم، وكنت أقرأ من الشفاء، وكان يقريء غيري من القانون نوبة، فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهيء مجلس الشراب بآلاته، وكنا نشتغل به" [4] .

وكان والده قد استجاب للاسماعيلية الفاطمية، وكان يحضر ابن سينا اجتماعاتهم في بيت والده [5] . ومن أشهر نظرياته: نظرية المعرفة التي وضع فيها الفلاسفة على قدم المساواة مع الأنبياء، ثم خصهم بميزة على الأنبياء، حين قرر أن الفلاسفة استمروا في رسالتهم، وارتقاء معارفهم، في الوقت الذي ختمت النبوة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم [6] .

وبعد: فماذا استفاد المسلمون من ترجمة الفلسفة اليونانية؟ استفادوا الخبرة لفن قتل الوقت، وقتل العقل، واستطابوا الإدمان على تعاطي هذه الكأس، التي يقدمها السفسطائيون للإجهاز على الأمم القوية عندما تبلغ القوة مداها، مقابل ما خسر المسلمون من الإيمان الفطري، والاعتقاد النقي، وتهاونوا في دينهم، وفرطوا في لغتهم، وانشغلوا في محاولات عقيمة، وداروا في حلقة مفرغة، ووقعوا في أغلاط اليونان، لأنهم أخذوا دون تمحيص، ودون أن يردوا ما أخذوا إلى القرآن والسنة، بل بلغ بهم الأمر أنهم كانوا يردون القرآن إلى آراء اليونان، كقول إخوان الصفا:

"إن إدريس هو (هرمس) المثلث بالحكمة، صفت نفسه، فصعدت الى السماء، وطافت مع بعض أجرامها ثلاثين عاما، وشاهدت من العجائب ما لا يشاهده إلا من يطوف ذلك الطواف، وإلى هذا يشير القرآن الكريم (في زعمهم) في قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) " [7] .

(1) القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - تفسير الآية رقم 170 من سورة البقرة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) . ج 2 ص 213 - 214 طبعة بالأوفست. دار إحياء التراث العربي. بيروت.

(2) انظر سير أعلام النبلاء ج 17 ص 535.

(3) انظر ابن خلكان. وفيات الأعيان ج 2 ص 16.

(4) طبقات الأطباء ص 446.

(5) نفسه ص 437 وسير أعلام النبلاء ج 16 ص 531.

(6) انظر ابن سينا - إثبات النبوات. مقدمة ص 13.

(7) سورة مريم الآية 57. رسائل إخوان الصفا ج 1/ 138. والمثلث بالحكمة أي ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الباريء تعالى بثلاث صفات ذاتية هي: الوجود، والحكمة، والحياة. - انظر مختصر تاريخ الدول لابن العبري ص 7 -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت