الصفحة 19 من 543

وهذا نوع من فهم القرآن لا يجيزه القرآن، ولا العقل، ولعلنا لو بحثنا تاريخ الفلسفة الإسلامية، وما كان من المتكلمين من علماء المسلمين من خلافات لوجدنا أكثر هذه الخلافات، إن لم يكن كلها، راجعا إلى قضايا أخذها المسلمون عن اليونان من غير تمحيص [1] ، وساعدهم في ذلك الترف والحياة الباذخة والفراغ وفتور حركة الجهاد. مصداقا لقوله تعالى:

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [2] .

فأدى كل ذلك إلى الترهل والاستغراق في متاع الأرض بالتدريج، والفلسفة وليدة الترف الفكري.

ولو كان هناك الوعي الكامل، لاقتصرت الترجمة على ترجمة العلوم البحتة، كالهندسة، والطب، والفلك، وغيرها من العلوم النافعة، وبشرط أن تكون صياغة ترجمتها متقفة مع عقيدة الإسلام. ولكن الخطأ حصل بترجمة جميع العلوم، ومنها الإلهيات عند ارسطو، وأفلاطون، وغيرهم. واستخدم أهل الكتاب في ذلك فتعكر صفو العقيدة لدى المسلمين، بالفكر الأجنبي، الذي أقحم على الحياة الإسلامية، وبضروب الجدل التي زجى بها المتكلمون في أوقات فراغهم [3] ، فقال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية:

"هؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة، إنهم لم يقوموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقطع أولئك الكفار بالعقول، فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان، ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد. وأخذوا يقولون: إنه لا يمكن الإيمان بالرسول، ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع، إلا بما سلكناه من المعقولات، وإن ما عارض هذه المعقولات عن السمعيات يجب رده تكذيبا، أو تأويلا أو تفويضا. لأنها أصل السمعيات، وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس" [4] .

وهكذا فشا بين المسلمين الجدل الكلامي، والتمس كل فريق سندا لدعواه فيه المنطق الكلامي، وأصبح الهدف افحام الخصوم وغلبة المناهضين وليس التوصل إلى الحق والتماس الصواب. ولذلك قال الذهبي عن علم المنطق:"نفعه قليل، وضرره وبيل، وما هو من علوم الإسلام". كما بين خطر الفلسفة الإلهية ومخاطرها [5] .

3 -الانقسام السياسي لدولة الإسلام:

فقد أفلحت النعرات السياسية في تصعيد بعض التناقضات وتعميق روح الخلافات فأدت إلى الصدع بين الزعامات المسلمة، وجاء وقت (القرن الرابع الهجري) كان في العالم الإسلامي ثلاثة خلفاء: الخليفة العباسي الشرعي في بغداد، والخليفة الفاطمي في مصر، والخليفة الأموي في الأندلس. وهذا أدى إلى اهتزاز ثقة المسلمين بالخليفة، ثم هانت عليهم الخلافة. وهذا طبعا أدى إلى طمع العدو الخارجي في العالم الإسلامي،

وأدى إلى ضعف هذا العالم الإسلامي في مواجهة أعدائه، فتوقف المد الإسلامي ثم أخذ بالانحسار، ليعود إلى المد من جديد، في عهد الدولة العثمانية حاملا معه بذور الضعف.

4 -الشعوبية:

(1) انظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (ثلاثة أجزاء) . على سامي النشار.

(2) سورة الرعد الآية 11.

(3) انظر الإسلام والطاقات المعطلة. ص 112. محمد الغزالي.

(4) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ج 1/ 238. تحقيق محي الدين عبد الحميد وحامد الفقي.

(5) سير أعلام النبلاء ج 1/ 24، وانظر ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت