اكتسبت الشعوبية مفهوما خاصا فأطلقت على محتقري العرب والذين يصغرون شأنهم [1] . فهي والحالة هذه تعني التعصب ضد العرب، وقد بدأها الذين تسللوا إلى الإسلام، وهم يحقدون عيه، من اليهود، والنصارى، والمجوس، وقد رد بعض العرب بالتعصب للعرب، فخالف المتعصب ضد العرب، والمتعصب للعرب، روح الإسلام، لأنها حملت روح التفرقة بين العرب، وغيرهم من المسلمين [2] . واستغلت الحركة الشعوبية الأدب، واللغة، والشعر العربي، والتأليف، والمفاخرة، والمفاضلة بين العجم والعرب [3] . فكانت الشعوبية نزيفا، وضعفا في الأمة الإسلامية، في وقت تزايدت فيه أخطار التحديات الخارجية على المسلمين، وعلى العالم الإسلامي (مثل التحدي الصليبي والمغولي) .
5 -الباطنية:
وكانت من أكبر عوامل الهدم من الداخل في عالم الإسلام، فقد ضمت جميع العناصر المناهضة للإسلام، من زرادشتية، ومانوية، ويهود، ونصارى، وكانت التناقضات فيها تبيض، وتفرخ، لأنها عاشت في الظلام، وآمنت بالتقية، بل وجعلتها أساس عقيدتها. وقالت الباطنية:
"إن الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة" [4] وقرروا أن لظواهر القرآن الكريم، والأحاديث بواطن تجري مع الظاهر مجرى اللب من القشر، وأن تصوراتهم توهم الجهال صورا جلية، وهي عند العقلاء رموز، وإشارات، إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا، والأسرار، والبواطن، والأغوار، وقنع بظاهرها، كانت تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع، ومن ارتقى إلى علم الباطن إنحط عنه التكليف، واستراح من أعبائه [5] .
وبإسقاط التكاليف الشرعية، وإنكار المسئولية الفردية، والالتزام الأخلاقي، والجزاء الأخروي، فتح الباب واسعا أمام حرية الشهوات، واللذات، والدعوة الإباحية، وعبادة الجسد، وقد عمدوا إلى صرف ألفظ الشرع عن معانيها الظاهرة إلى أمور باطنة، بغير دليل من القرآن، والسنة، وتسقط منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الباطن لا ضبط له، لا تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، حسب مقتضى الأهواء، والغايات، وهدفهم الرئيسي هو هدم الشريعة، بتأويل ظواهرها، وتحريفها، لتلائم مقاصدهم، فهم يقولون: للشرائع باطن، لا يعرف إلا بالإمام، أو من ينوب منابه، ففسروا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) بأن القلائد: هم الأئمة المستورون، والبيت الحرام: هو الخليفة الفاطمي. ومعنى قوله تعالى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) . هو: الإقرار بالإمام الناطق، الذي يفيض عنه العلم، ويوصل من قبله إلى معرفة الله تعالى، والملائكة هم دعاة الإمام، الذين يأخذون له العهد على المستجيبين، ويربونهم على عقيدة الباطنية الاسماعيلية، التي تمنح شخص الإمام الحاكم الريادة العقائدية، والسياسية المغلقة، وتمنحه مرتبة إلهية [6] .
(1) لسان العرب ج 1/ 482، القاموس المحيط ج 1/ 91.
(2) ويؤيد هذا من معاني الشعب في اللغة: (بمعنى التفريق) . انظر لسان العرب ج 1/ 479.
(3) انظر أثر أهل الكتاب في الفتن والحروب الأهلية في القرن الأول الهجري للمؤلف.
(4) انظر إخوان الصفا ج 1/ 6. دار صادر. بيروت.
(5) انظر تلبيس إبليس. لابن الجوزي.
(6) القاضي النعمان المغربي. الرسالة المذهبية ص 82.