وكذلك ما ورد في الحشر، والنشر، وغيرها، فكلها عندهم رموز، وأمثلة، إلى بواطن، فمعنى الغسل عندهم: بمعنى تجديد العهد عليه، ومعنى الطهور: التبرؤ من كل مذهب خالف الباطنية، ومعنى التيمم: أخذ العلم من المأذون، ومعنى الصلاة: الدعاء إلى الإمام، ومعنى الزكاة: بث العلم لمن يزكى، ومعنى الحج: طلب العلم الذي تشد رحائل العلم إليه، والجنابة: إفشاء السر، والكعبة: النبي، والباب علي، والتلبية: إجابة الداعي، والطواف بالبيت سبعا: الطواف بالإمام إلى تمام السبعة. والنار: الجهل بالعلوم الباطنية [1] .
ولجأت الباطنية إلى الفلسفة، يستمدون منها أوهامهم، فضمت فلاسفة، ومفكرين، مثل إخوان الصفاء، وشعراء: مثل أبي العلاء المعري، وعلماء مثل أبي حيان التوحيدي، وابن سينا، ووالده، وتمكنت من إفراز جناح عسكري في القرن الخامس الهجري، بقيادة الحسن الصباح، الذي اتخذ قلعة الموت سنة 483 هـ مركزا له، يبث منها دعاته، ليخدعوا الأحداث، والبسطاء، ويضمونهم، (باسم الدين ونصرة آل البيت) ، واستعانوا في التأثير على الأتباع، بالمخدر، أو الحشيش، الذي كانوا يقدمونه لهم، فإذا أصابهم الدوار، أمروهم بما يريدون، ولذلك سموا بالحشاشين. وقد بقيت هذه الفرقة تثير الفتن، وتنشر الرعب، وتعاونت مع الصليبيين في الشام ضد المسلمين، واغتالوا عددا من قادة الإسلام، كما حاولوا اغتيال صلاح الدين، أكثر من مرة. بالإضافة إلى أن الباطنية تبرأت من الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة من أبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما، وشوه الباطنيون صور شخصيات كثيرة، من صدر الإسلام ودسوها في كتب التاريخ، والأدب، الأمر الذي مكن أعداء الإسلام فيما بعد من حملة التشويه المتعمدة التي لحقت برجالات القرن الأول الهجري خير القرون. نظرا لأنها موضع الفخر، والاعتزاز الشديد، عند المسلم. وجاء المستشرقون وتلاميذهم فتلقفوا آراء الباطنية في تلك الشخصيات باسم البحث العلمي، والموضوعية.
كما وقفت الباطنية إلى جانب الصليبيين في حربهم ضد الإسلام والمسلمين وخاصة في دمشق عام 523 هـ، وإلى جانب المغول كما حدث في تخريب بغداد عام 656 هـ.
وأما القرامطة من الباطنية فتاريخهم معروف في محاولاتهم القضاء على الإسلام والمسلمين، وهجومهم على بيت الله الحرام واستحلال دماء المسلمين ونزع الحجر الأسود.
وبقيت الباطنية نزيفا داخليا لجهد العالم الإسلامي، تأخذ كثيرا من جهد قادة المسلمين، ومن أئمة المسلمين، وعلمائهم، الذين تصدوا لها بكل عنف.
6 -الصوفية:
نشأ التصوف من ينبوعين مختلفين تلاقيا [2] :
الأول: هو انصراف بعض العباد المسلمين إلى الزهد في الدنيا، والإنقطاع للعبادة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: فقال:
"ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (متفق عليه) .
وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم كثر الزهاد الذين غالوا في الزهادة في الدنيا، ونعيمها. . .
وفي وسط تلك النفوس وجد التصوف مكانه إذ وجد أرضا خصبة، ردا على حياة الترف الذي فشا بين المسلمين.
(1) انظر فضائح الباطنية ص 55 - 59. الإمام الغزالي، أبو حامد.
(2) ابن تيمية - للشيخ محمد أبو زهرة ص 197 - 198.