والثاني: هو ما سرى إلى المسلمين من فكرتين: الأولى: فكرة الإشراقيين من الفلاسفة، وهم يرون أن المعرفة تقذف في النفس بالرياضة الروحية، والتهذيب النفسي. والثانية: فكرة الحلول الإلهي في النفوس الإنسانية، وقد ابتدأت هذه الفكرة تدخل في الطوائف التي كانت تنتمي كذبا إلى الإسلام في الصدر الأول، عندما اختلط المسلمون بالنصارى، وقد ظهرت في السبئية، والكيسانية، ثم القرامطة، ثم في بعض الباطنية، ثم ظهرت في لونها الأخير في بعض الصوفية [1] .
وهناك معين آخر أخذت منه فيما يظهر النزعات الصوفية، وهو: كون النصوص والأحكام - أي نصوص القرآن والسنة - ظاهر وباطن - ويظهر أن المتصوفة استعاروا ذلك التفكير من الباطنية. . .
فالمغالاة في الزهد، فتح لأفكار الحلول، ثم وحدة الوجود، فظهر التصوف في الإسلام، الذي اشتد في القرن الرابع والخامس الهجري، ثم بلغ أقصى مداه فيما بعد ذلك، بعيدا كل البعد عن هدي القرآن الكريم، والسنة المطهرة، حتى بلغ أن المتصوفة يسمون من يتبع القرآن والسنة (أهل الشريعة) و (أهل الظاهر) . ويسمون أنفسهم (أهل الحقيقة) و (أهل الباطن) . فالتقت الصوفية مع الفلسفة، والباطنية، وحجبت كثيرا من المخدوعين عن فهم حقيقة العبادة في الإسلام، وعمدت إلى تقديس المشايخ فقالوا:"من قال لشيخه لم لم يفلح". وانتجت التواكل بدلا من التوكل، الذي أفسد كثيرا من عقيدة القضاء والقدر. وحولها من عقيدة إيجابية دافعة إلى عقيدة سلبية مخذلة، وإلى الرضاء السلبي بالواقع وعدم محاولة التغيير.
ومن الجدير بالذكر أن الصوفية أخذت تنتشر في المجتمع الإسلامي زمن العباسيين، ولكنها كانت ركنا منعزلا عن المجتمع ولكنها في عهد الدولة العثمانية، صارت هي المجتمع، وأصبحت بالنسبة للعامة هي المدخل إلى الدين ومجال ممارسته. فتسلطت مجموعة من الخرافات والأوهام، تتعلق بالمشايخ الأحياء منهم والأموات، وصار التدين هو الإيمان بالشيخ وبكراماته وبأحواله، وقدرته على اشتفاف الغيب، وعلى شفاء المرضى من غير دواء، وقدرته على فك السحر، واستخراج الشياطين من أجساد من تسلطت عليهم. كما أصبح التصوف هو التعلق بالأضرحة، والأولياء، ونذر النذور لهم، والتقرب بالقرابين، دون عمل حقيقي بمقتضى الدين. . فقد أصبح هذا في حس العامة هو الدين، وليس هو ما أنزله الله في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأدرك أئمة المسلمين، وعلماؤهم، أهداف الفلاسفة، والباطنية، والصوفية، فكانت لهم جهودهم الموفقة في تفنيد بدعهم، ورد كيدهم، وإبراز الحق واضحا جليا من خلال مصادره الأصلية، كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن أبرز هؤلاء العلماء الأئمة الأربعة، ثم الإمام ابن تيمية وابن القيم اللذان كانت لهما صولات وجولات مع أرباب البدع، وأئمة الكلام، وأساطين الفلاسفة، فأوسعوا نظرياتهم وأقوالهم نقضا، ونقدا، من خلال الفهم الأصيل، والاعتقاد المستقيم، والمنهج القويم، لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما العروة الوثقى التي يجب على كل مسلم أن يتمسك بها مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:
"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنتي".
وفي العصور الحديثة هاجمهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ الدهلوي، والشيخ أبو زهرة، وغيرهم، فكان العلماء المخلصون بالمرصاد لكل من يحاول العبث بدين الإسلام.
(1) انظر الإسلام في مواجهة الحركات الفكرية - للمؤلف.