إقدام هذه الدولة على الالتزام بسياسة ثابتة هدفها الحفاظ على المصالح التجارية في المنطقة تحت ستار حماية الأقليات الدينية، ففرضت فرنسا حمايتها على النصارى الكاثوليك، وروسيا على النصارى الأرثوذكس، وأعلنت بريطانيا حمايتها للدروز والبروتسنت واليهود في سوريا وجبل لبنان وفلسطين.
وكان من جراء ذلك أن أقامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1255 هـ / 1839 م وجهت معظم جهودها ونشاطها لحماية الجالية اليهودية في فلسطين. فكانت مسألة حماية اليهود الشغل الشاغل للقنصلية البريطانية في القدس [1] . والواقع أن القضية تخطت مسألة حماية اليهود في فلسطين إلى تحقيق أهدافها في الشرق التي يمكن تلخيصها في [2] .
1 -تأمين المواصلات البريطانية إلى الهند والشرق الأقصى.
2 -إبعاد أية قوة كبرى عن هذه المنطقة وجعلها مجالا بريطانيا بحتا.
3 -منع ظهور أي قوة كبيرة محلية وضربها إذا ما ظهرت.
4 -الحرص البريطاني على استمرار الملاحة في قناة السويس بعد فتحها في عام 1869 م انطلاقا من حرصها على تأمين المواصلات إلى الهند والشرق الأقصى.
5 -تأمين الامداد النفطي والحصول على أكبر قدر من الأرباح منذ اكتشافه في أوائل القرن العشرين من المنطقة.
وقد رافق تأمين هذه الأهداف رغبة بريطانيا في استقرار المنطقة إما بالتعاون مع أهلها إن أمكن ذلك، أو إخضاعهم وجعلهم عاجزين عن مقاومة وجودها بالقوة أحيانا، وبوسائل غيرها أحيانا، وذلك حسب الظروف التي تواجهها المنطقة.
فالجالية اليهودية كانت صغيرة جدا لا تتجاوز تسعة آلاف وسبعمائة نسمة موزعين بين القدس والجليل وصفد وطبريا جسب تقرير نائب القنصل البريطاني نفسه [3] . وكان الهدف استقدام جاليات يهودية لأسباب ودوافع استعمارية بينها بوضوح الفايكونت (بالمرستون) رئيس وزراء بريطانيا في رسالة بعث بها إلى سفيره في استنبول يوم 11 أغسطس 1840 م يشرح فيها المنافع السياسية والمادية التي تعود على السلطان العثماني من جراء تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين يقول:
(1) البرت هامسيون - القنصلية البريطانية في القدس وعلاقتها بيهود فلسطين (1838 - 1914 م) الجزء الأول - ص 34 من المقدمة طبع 1939 م.
(2) النشاط الصهيوني - د. عبد الرحيم أحمد حسين - ص 19.
(3) د. عبد الوهاب الكيالي - تاريخ فلسطين الحديث ص 5.