ظهرت أهمية القدس في الإسلام عندما أسري بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء جسدا وروحا، فارتبطت هذه الأرض ارتباطا كاملا بالكعبة وبالمسجد النبوي في المدينة، والإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية فهو الوريث لأر ض الأنبياء والمرسلين، كما كانت القدس قبلة الإسلام الأولى، والمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله تشد إليه الرحال، كما تشتد إلى الحرمين الشريفين مكة والمدينة فقد ورد في الصحيحين:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
وقد بدأت غزوات وسرايا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، فكانت غزوة دومة الجندل عام 5 هـ، وسرية مؤتة عام 7 هـ، وغزوة تبوك عام 9 هـ، ثم أخيرا بعث أسامة الذي أنفذه أبو بكر رضي الله عنه.
وبعد القضاء على حركة الردة جهز أبو بكر الجيوش وأنفذها لفتح الشام، وكان قائد جبهة فلسطين عمرو بن العاص، وشهدت هذه الأرض المعارك الحاسمة أجنادين وفحل واليرموك، ثم تم فتح بيت المقدس، وتسلمها الخليفة عمر بن الخطاب ينفسه من صفرونيوس بطريرك القدس عام 16 هـ وصدرت العهدة العمرية ونص فيها على أن لا يسكن إيلياء أحد من اليهود. فأصبحت بلاد الشام بما فيها أرض كنعان أرضا عربية إسلامية، واستمرت على هذا الحال دون انقطاع إلا فترة الحروب الصليبية حيث استطاع الصليبيون أن يقيموا مملكة نصرانية في بيت المقدس في القرن السادس الهجري بعد أن قتلوا سبعين ألفا من المسلمين داخلها. ولكن المجاهد صلاح الدين الأيوبي أجلاهم عنها في 27 رجب عام 583 هـ بعد أن انتصر عليهم في موقعة حطين الشهيرة قرب بحيرة طبرية في 25 ربيع الثاني عام 583 هـ، وانتهى دور الصليبيين كما بينا ذلك، فكانوا من الغزوات العابرة، ولن يكون حظ الصهيونية اليهودية الحديثة بمساعدة الغرب الصليبي والشيوعي أفضل من مصير الصليبيين بإذن الله.
فلسطين في خطط الصهيونية والاستعمار [1] :
تعود الجذور التاريخية للحركة الصهيونية إلى القرن التاسع عشر حين اقترن النشاط الاستعماري الواسع بضغط هائل على الطبقات الوسطى في البلدان الاستعمارية، مما دفع الطبقات اليهودية إلى البحث عن حل لأزمتها خارج حدود مجتمعاتها، وسرعان ما وجدت الحل في الفكرة الصهيونية التي تطابق فيها الحل مع المصالح الإستعمارية، كما لقيت الصهيونية تأييدا وتشجيعا من الرأسماليين اليهود الكبار.
كانت الدول الأوربية قد فرضت على الدولة العثمانية الضعيفة ما عرف باسم: الإمتيازات الأجنبية التي كانت منحة أيام قوة الدولة ثم أصبحت غلا يطوقها في ضعفها، بحيث بات المقيمون الأجانب دولة داخل دولة، لا تسري عليهم القوانين والضرائب العثمانية. واستتبع ذلك
(1) انظر د. أحمد طربين - فلسطين في خطط الصهيونية والاستعمار.