وكان للبارون (إدموند دي روتشيلد) جهود كبيرة في سبيل مساندة الصهيونية، فأنشأت عام 1301 هـ / 1883 م الجمعية اليهودية للاستعمار بفلسطين أو - بيكا - [1] بغرض تنظيم عملية تملك اليهود للأراضي في فلسطين أو استيطانهم لها. وكانت (بيكا) تبيع الأراضي لليهود شريطة ألا تباع مرة ثانية للمسلمين. وتحت ستار التابعية العثمانية بدأ هذا التسلل اليهودي إلى فلسطين ومع هجرات كثير من المسلمين من اضطهاد روسيا القيصرية.
وفي عام 1895 م / 1313 هـ أصدر اليهودي النمساوي هيرتسل كتابا بعنوان: الدولة اليهودية، قرر فيه:
"إن المسألة اليهودية ليست مسألة اجتماعية أو دينية بل هي مسألة قومية لا يمكن حلها إلا عن طريق تحويلها إلى قضية سياسية عالمية تتم تسويتها على يد الدول الكبرى مجتمعة. ويعني هذا بالتحديد أن يمنح اليهود السيادة فوق رقعة من الأرض كافة لتلبية متطلبات إقامة دولة قومية على أن يترك الباقي لليهود أنفسهم".
ولكي يحقق اليهود هدفهم إقترح هيرتسل إنشاء جمعية يهودية تقوم بتنظيم اليهود وتعبئتهم، وشركة يهودية على غرار الشركات الاستعمارية الكبرى في المستعمرات الأوربية في آسيا وأفريقيا، تقوم بتوطين المستعمرين واستغلال موارد البلاد والسيطرة عليها [2] .
وكان صدور هذا الكتاب بمثابة نقطة تحول في الحركة الصهيونية فقد اعتبرت المشكلة اليهودية مشكلة قومية، وحلها يكمن في تحويلها إلى قضية عالمية تفرض على مجالس الأمم المتحضرة حيث ينادى زعماء اليهود بتكوين دولة يهودية. ولم يعلن هيرتسل في كتابه عن اختياره النهائي للدولة المقترحة.
وتمكنت الصهيونية في هذه الأثناء من استمالة الأوربيين لأفكارها: فالمتدين النصراني الأوربي دخلت إلى نفسه فكرة شعب الله المختار وأرض الميعاد وهو يؤمن كنصراني بالعهد القديم، وأما غير المتدين فرغب أن يتخلص من استغلال اليهود وجشعهم ومكرهم عن طريق تأييد الصهيونية في البحث عن أرض يجتمعون فيها، فتستريح أوربا منهم. أنظر إلى قول وزير خارجية قيصر وروسيا، وهيرتسل يحدثه ويطلب منه تشجيع الهجرة:"إننا نعطي مثل هذا التشجيع على الهجرة بأن نركلهم بأقدامنا" [3] .
وأما الحكومات الاستعمارية فقد أيدت الصهيونية عن طريق استعداد الأخيرة لتكون خادمة للاستعمار وعن طريق المساعدات والقروض المالية للحكومات الاستعمارية التي قامت بها البيوتات المالية اليهودية الكبيرة.
فأقام اليهود المتسللون عددا من المستوطنات في فلسطين، ومنها تل أبيب.
(1) نفسه.
(2) الكيالي ص 34.
(3) جارودي - اسرائيل - ص 72 عن كتاب أ. شورافي - ثيودور هرتزل - باريس 1960 م ص 302.