وقد ذهب أكثر الباحثين، إلى أن أكثر الأحاديث الموضوعة من الاسرائيليات، إنما وضعت عن تدبير، وتخطيط، وخصومة، وكيد، وأنها من عوامل الحرب الفكرية، والعقائدية الضارية، التي شنها اليهود، وغلاة النحل المبتدعة، على الإسلام، والمسلمين، بكافة الوسائل من التخفي، والتسلل، والتمويه، بقصد تمزيق وحدة المسلمين، وتلهيتهم عن دينهم القويم، وتشتيتهم عن طريقهم المستقيم [1] . وقد تنبه علماء المسلمين إلى مقاصدهم، وإلى هذا الخطر منذ وقت مبكر، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يحذر من الأخذ عن أهل الكتاب"يا معشر المسلمين: كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم، ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل إليكم [2] ".
وأثر عن الإمام أحمد بن حنبل قوله:
"ثلاثة لا أصل لهم: التفسير والملاحم والمغازي". أي أنها ليست ذات أسانيد صحيحة متصلة [3] .
8 -التعصب المذهبي: شاعت منذ القرن الرابع الهجري بدعة التعصب المذهبي. فانتج ذلك مخالفة الكثير من النصوص الصحيحة، وتقديم الرأي عليها، ونشر الفتن والخلاف بين المسلمين، والتحايل على الدين، والجمود على التقليد، وإغلاق باب الاجتهاد، والاشتغال بالافتراضات الخيالية، الأمرالذي أدى إلى شيوع الجهل. على المدى الطويل.
وقد منع الاجتهاد بعد القرن الرابع الهجري، ثم ساد اختيار كتب الفقه المتأخرة الخيالية من الأدلة الشرعية، فقلت دراسة الكتاب والسنة، والرجوع إليها عند الخلاف. فانحرف الناس عن السنة، وشاعت البدع، ووصل الأمر أن أبا الحسن عبيد الله بن الحسن الكوفي رئيس الحنفية بالعراق في القرن الرابع الهجري الذي صنف المختصر، وشرح الجامعين الصغير والكبير لمحمد بن الحسن قال:"كل آية تخالف ما عليه أصحابنا، فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث فهو مؤول أو منسوخ" [4] .
فقدم أقوال أهل المذهب على الكتاب والسنة. فما الفرق بين قوله وأقوال الصوفية، والباطنية، والفلاسفة؟
وقد وصل الخلاف والخصام بين مقلدة المذاهب إلى درجة خطيرة، فعادى بعضهم بعضا، وضار يسعى بعضهم بالكيد، والأذى للبعض الآخر، فتسبب ذلك في الفتن الكثيرة، والقتال فيما بينهم [5] . وقد حاول كثير من العلماء أن يقف في وجه تيار التعصب المذهبي، فكان نجاحه ضئيلا. وقد قال العالم منذر بن سعيد البلوطي خطيب الخليفة عبد الرحمن الناصر بالأندلس يشكو حال المذهبيين، وموقفهم من الكتاب والسنة [6]
عذيري من قوم يقولون كلما ... طلبت دليلا هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب ... وقد كان لا يخفى عليه السالك
فإن زدت قالوا سحنون قبله ... ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت: قال الله ضجوا وأكثروا ... وقالوا جميعا أنت قرن مماحك
(1) الإسلام والدعوات الهدامة ص 224. أنور وجدي.
(2) صحيح البخاري / كتاب الشهادة، باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرهما. حاشية السندي ج 2 ص 74.
(3) هنالك عدة توجيهات لعبارة أحمد منها: أنه قصد كتبا مخصوصة، ومنها ما ذكرناه من الكتب لكنها ليست على إطلاقها فهناك روايات كثيرة مسندة صحيحة متصلة في التفسير والملاحم والمغازي.
(4) الخضري - تاريخ التشريع الإسلامي ص 256، 232.
(5) انظر في ذلك: البداية والنهاية لابن الأثير ج 12، ص 18، ج 13 ص 19، 21، الكامل لابن الأثير ج 8 ص 106، ج 9 ص 215، ومعجم البلدان لياقوت ج 1 ص 273.
(6) محمد عيد عباسي - المذهبية المتعصبة ص 247.