1 -التحدي المغولي"التتري":
المغول والتتار قبائل موطنهم الأصلي منغوليا (شمال صحراء غوبي) ، وكانت هذه القبائل تقضي أوقاتها في النزاعات القبلية، وفي البحث عن منابت العشب، ودانت بالوثنية، التي تعرف باسم (الشامانية) [1] . تقول بوجود قوتين:"قوة الخير والنور والدفء، وقوة الشر والظلام والبرد، ويسكن إله الخير في الشرق، وإله الشر في الغرب. وتقوم ممارساتها على السحر وعلى الرشاقة الجسدية من رقص وغيره، فاكتسبت كلمة شامان معنى"الساحر"."
واستطاع تيموجين بن بسوكاي، الذي ولد في منغوليا، عام 549 هـ / 1155 م، أن يوحد هذه القبائل عام 603 هـ / 1206 م، ووضع لهم دستورا اجتماعيا، حربيا، مختصرا عرف باسم (الياسة الكبرى) ، أو (اليساق) [2] بالغ الشدة والعنف، للطاعة فيه أكبر نصيب، فكانوا أعظم الأمم طاعة لسلاطينهم [3] ، دون معرفة معاني الشفقة، أو الرحمة [4] ، وبعد أن وحدهم لقب نفسه (جنكيزخان) أي أعظم الملوك. واندفع بهم إلى الصين، واستولى على بكين عام 612 هـ، فاستولى بذلك على مزيد من الكنوز، والنفائس، وتعلم المغول استعمال البارود [5] ، ثم قضى على دولة الخطا السوداء (قرة خطي) التركية، المتاخمة لبلاد الصين 615 هـ [6] ، فأصبح يطرق أبواب العالم الإسلامي، ويتحداه، وكان هذا التحدي شريكا لبعض الوقت للغزو الصليبي على عالم الإسلام، وقد حمل بهمجية، وبربرية، ووحشية على العالم الإسلامي، وكانت حملاته وحملات أخلافه، غاشمة كمد البحر، أو الطوفان، الذي كاد يغرق، ويبدد، أو يقوض الحضارة الإسلامية.
اصطدم جنكيزخان بالدولة الإسلامية الخوارزمية - وكانت قد ظهرت سنة 490 هـ / 1096 م بعد أن ضعفت دولة السلاجقة، وكانت بمثابة السور الفولاذي المنيع، الذي يحمي الجبهة الإسلامية من جهة المشرق [7] ، تمتد من العراق العجمي غربا، إلى نهر السند شرقا، ومن شمال بحر قزوين، وآرال شمالا، إلى الخليج العربي، والمحيط الهندي، جنوبا شاملة: أذربيجان، والعراق العجمي، وفارس، وكرمان، وكمران، وسجستان، وخراسان، وأفغانستان، والبامير، والصغد، وما وراء النهر. وكان على رأس هذه الدولة حين بدأت تطرقها المطارق المغولية السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه.
هاجم جنكيزخان الدولة الخوارزمية سنة 616 هـ / 1219 م، وخاضت خوارزم حربا مدمرة مدة خمس سنوات، إلى أن تمزقت أوصالها، واكتسح المغول أراضيها، وأقاموا المجازر في بخارى [8] ،
(1) انظر المغول في التاريخ. د. فؤاد الصياد. ج 1/ 32 - 35.، معالم تاريخ الإنسانية ص 923.
(2) انظر هذا الدستور / المقريزي - المواعظ والاعتبار ج 2/ 220 - 221.
(3) صبح الأعشي - القلقشندي ج 4/ 212.
(4) انظر الكامل ج 9/ 329 - 331.
(5) المغول في التاريخ ص 53.
(6) نفسه ص 57.
(7) انظر النجوم الزاهرة. أبو المحاسن. ج 6/ 277.
(8) وصف ابن الأثير حالة الناس في بخارى يوم سقوط المدينة سنة 616 هـ ومن وصفه:
"كان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان، وتفرقوا أيدي سبأ، وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضا، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها، كأن لم تغن بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم، والناس ينظرون، ويبكون، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا مما نزل بهم، فمنهم من لم يرض بذلك، واختار الموت على ذلك، فقاتل حتى قتل. . . ومن استسلم أخذ أسيرا، وألقوا النار على البلد، والمدارس، والمساجد، وعذبوا الناس بأنواع العذاب من طلب المال". (ابن الأثير. الكامل في التاريخ ج 9/ 332)
وحدث أن أحد السكان فر ناجيا بجلده إلى خراسان فسئل عما فعله المغول بمدينته فقال كلمات موجزة بالفارسية:
"لقد أتوا فخربوا، وأحرقوا، وقتلوا، ونهبوا، ثم ذهبوا". الصياد. المغول في التاريخ ج 1 ص 118 عن الجويني ج 1 ص 83.