كيراي في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، بل هاجمت موسكو وانتقمت منها لما فعلته بالمسلمين التتار في البلاد الشرقية سنة 979 هـ / 1571 م [1] . وحكموا مقاطعة الدونتز من روسيا الجنوبية، ولكن الروس انتصروا عليهم، وانتزعوا الأراضي الشمالية عام 1091 هـ / 1680 م، وهذا ما جعل العثمانيين ينزلون إلى شبه الجزيرة واتخذوا لهم مراكز في جنوبها، وتسلموا مضيق (كرش) .
ولما أصاب العثمانيين الضعف قام الروس بغزو شبه الجزيرة سنة 1149 هـ / 1736 م و 1150 هـ / 1737 م و 1151 هـ / 1738 م، واستولوا عليها نهائيا سنة 1192 هـ / 1783 م. وأصدرت الإمبراطورة كاترين الثانية مرسوما أعلنت فيه ضم الإمارة [2] إلى الإمبراطورية الروسية متعهدة للمسلمين بضمان حقوقهم في أملاكهم وحرياتهم الدينية [3] - ولم يكن هذا الوعد إلا تضليلا - فقد صادرت الحكومة بعد سنوات خيرة أراضي أهلها ووزعتها على النبلاء وطردوا 500 ألف مسلم. وأصدرت قوانين تحرم الدعوة إلى الإسلام، وتعاقب من يقوم بها بالأشغال لاشاقة. ثم تدفقت سيول المهاجرين الروس الأوروبيين. وهكذا وجد المسلمون أنفسهم يطردون من أراضيهم الخصبة إلى الأراضي القاحلة في وسط شبه الجزيرة. وأصبح تاريخ هذا الشعب التتري في القرم خلال ما يزيد على مائة عام عبارة عن سلسلة طويلة من الهجرة الجماعية اليائسة تحت أشد حالات البؤس والتعاسة، هلك خلالها الألوف المؤلفة مرضا وجوعا، وكانت نتيجة ذلك أن أصبح هذا الشعب أقلية في وطنه أمام كتلة روسية تفوقه ثروة وحيوية [4] .
ونشط تتار القرم في استعادة كيانهم منذ صدور قانون حرية العقيدة في روسيا سنة 1323 هـ / 1905 م، وحتى استيلاء السوفييت على الحكم سنة 1336 هـ / 1917 م، واستقلوا أثناء الثورة الشيوعية، وأجريت الانتخابات في البلاد واجتمع مجلسها الوطني ووضع دستورا للبلاد. ولكن الشيوعيين نجحوا في العودة بعد مقاومة عنيفة لجأوا فيها إلى حرب التجويع والحصار القاسي، فأهلكوا ما يقرب من ستين ألفا جوعا حسبما نشرت جريدة الإزفستيا الروسية في عددها الصادر بتاريخ 25 تموز (يوليو) 1922 م، في تقرير للرفيق كالينين وقتلوا مائة ألف وعملوا على نقل زهاء خمسين ألفا [5] ، ولما دخلوها نصبوا بالاكون المجري اليهودي رئيسا للبلاد، وهدموا المساجد والمعاهد، فلم يبق من 1558 مسجدا بالقرم إلا بضعة مساجد. وبدأ عدد السكان يتناقص.
(1) جريدة عكاظ 12 ربيع الأول سنة 1401 هـ / يوسف ولي شاه اور الكيراي - كارثة القرم الإسلامية في الاتحاد السوفييتي 1950 م الخانجي / القاهرة ص 33.
(2) أرنولد - الدعوة إلى الإسلام ص 276. انظر المسلمون في الاتحاد السوفييتي ص 30.
(3) جريدة عكاظ 12 ربيع الأول سنة 1401 هـ، البلدان الإسلامية ص 741.
(4) المسلمون في الاتحاد السوفييتي - تعريب إحسان حقي ص 31. وانظر التفاصيل كارثة القرم الإسلامية ص 39 وما بعد.
(5) البلدان الإسلامية ص 742.