وقد وصلت دعاية لينين بين المسلمين إلى درجة الزعم بأن النظام السوفييتي البلشفي إنما يقوم على مباديء القرآن والشريعة الإسلامية، وسرعان ما أعلنت الشعوب الإسلامية إستقلالها وتكون جمهوريات إسلامية عديدة في هذه الأقطار المترامية، واعترفت بها الدول المجاورة وعقدت معها المعاهدات [1] ، فعقد المسلمون مؤتمرا كبيرا في موسكو سنة 1917 م، وحضره 900 مندوب من كل الأقاليم الإسلامية في الإمبراطورية الروسية، وكان من نتيجة هذا المؤتمر محاولة التوفيق بين الإسلام والإشتراكية، والتشديد بقوة على الملة الإسلامية في روسيا [2] .
وعقد مؤتمر ثقافي في العام نفسه 1236 هـ / 1917 م في قازان لم يستطع حضوره سوى ممثلي تتار الفلغة والبشكير والقرم. وقد ظهر في هذا المؤتمر الإتجاه إلى قيام دولة إسلامية فدرالية. وعززت الإدارة الإسلامية المركزية بإنشاء مجلس حربي (حربي شورى) ، مركزه قازان. وبدأ هذا المجلس بتجنيد المسلمين تحت قيادة ضباط تتار وبشكير فورا، كما أنشأ المؤتمرون إدارة ملية مركزها مدينة أوفا في بشكيريا، وكلفوها الإعداد لعقد مجلس محلي في أوفا يناط به تقرير مستقبل الأمة الإسلامية في روسيا.
وقد أظهر لينين والبولشفيك تأييدهم لهذه القرارات ووقوفهم معها، وهو تكتيك رهيب اتسم بالغدر والخسة، وجعل العناصر الإسلامية تقف في صف لينين والجيش الأحمر. فأعلن القوقاز ثورتهم بقيادة الإمام الداغستاني نجم الدين غوتسو، الذي عرف عند الروس باسم نجم الدين غوتسنسكي سنة 1336 هـ / 1917 م، واستقلالهم سنة 1337 هـ / 1918 م، وتبعتهم جورجيا بعد بضعة أسابيع، وتكونت جمهوريات إسلامية مستقلة، وقعت تحت مطارق الجيش الأحمر ومناهضيهم في الحرب الأهلية. وفي إبريل عام 1918 م أصدر لينين أمرا بالزحف على البلاد الإسلامية دون سابق إنذار [3] . فقد تحرك الجيش الأحمر ومعه الشيوعيون من المسلمين الوطنيين، واجتاح هذه الجمهوريات وأزال عنها الصفة الدينية واستبدل بها جمهوريات إتحادية شعبية هي اليوم جزء من الإتحاد السوفييتي نظريا، ومقاطعات محتلة من روسيا فعليا، تمارس فيها سياسة التذويب وإلغاء كل ما له صلة بالإسلام، فقد دخلت القوات الشيوعية طشقند عام 1918 م وقضت على جيوش المسلمين ونهبوا المدينة، ودامت المذابح والنهب ثلاثة أيام متوالية، وبعد أن هدموا المدينة وجعلوا عاليها سافلها، أشعلوا فيها النار، ولم يعلم عدد ضحايا المسلمين - لكن ذكر ريشارد بيب أن نفوس خوقند كانت قبل الثورة 120000 فأصبحوا
(1) الإسلام في وجه الزحف الأكبر ص 127.
(2) المسلمون في الاتحاد السوفييتي ص 132 - 134.
(3) فاستولت الشيوعية في نهاية العام على جمهورية إيديل أورال وشمال القوقاز وحكومة خوقند في تركستان. وفي عام 1919 م استولى الشيوعيون على جمهورية الاشي أوردو، وفي عام 1920 م انتهوا من احتلال القرم التي قاومت بعنف، واستأنفوا الهجوم على جمهورية أذربيجان وحاصروا خيوة من ثلاث جهات فدافع أهلها التركمان دفاع المستميت ولكنها سقطت في نهاية العام. وفي عام 1921 م هاجم الروس بخارى ولما انهزمت جيوشهم المنظمة شنوا حرب عصابات نحو عشر سنين، ولكنهم فشلوا في إدراك النصر لعدم وجود أية مساعدة خارجية من العالم الإسلامي. (الإسلام في وجه الزحف الأحمر 131) . وذلك كله استغلالا لما عمله أتاتورك في تركيا.