كان عقد المسلمين قد انحل، وتبعثر بعد الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918 م) وإلغاء الخلافة العثمانية رمز الوحدة الإسلامية، وقسمت بلاد الإسلام، ومنها العربية إلى مستعمرات حكمها الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون، ولم يبق من يتمتع باستقلاله إلا: المملكة العربية السعودية، واليمن الشمالية، وأفغانستان. وأخذت الاتجاهات الوطنية والإقليمية تجد لها صدى بين شعوب العالم الإسلامي تحت شعارات: الاستقلال، والحرية، ومكافحة الاستعمار، إلى جانب الاتجاهات الإسلامية التي لا يمكن إغفالها.
وبدأ تقارب البلاد العربية على الصعيد الدبلوماسي بمعاهدة الإخاء والتحالف بين المملكة العربية السعودية والعراق عام 1936 م، وتنص المادة السابعة منها:"يتعاون الفريقان المتعاقدان الساميان على توحيد الثقافة الإسلامية والعربية، والأساليب العسكرية في بلادهما، بتبادل بعثات علمية وعسكرية، للإطلاع على الأساليب المتبعة في المملكتين، وتوحيد ما يمكن منها، والاستفادة من المعاهد السلمية والعسكرية والتدريب بها. ." [1] وتركت المعاهدة الباب مفتوحا أمام الدول العربية، فاشتركت فيها اليمن عام 1937 م. كما عقدت معاهدة صداقة بين المملكة السعودية ومصر في عام 1936 م في القاهرة. وأقامت هذه المعاهدة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لأول مرة، كما ألفت خطوة نحو تقارب البلاد العربية.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 0 1945 م) برزت مشاريع تدعو لوحدة بعض الأقطار العربية قبل مشروع الجامعة العربية ومنها:
أ- مشروع سوريا الكبرى الذي نادى به الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن.
ب- مشروع الهلال الخصيب: (وحدة بلاد الشام والعراق) الذي نادى به نوري السعيد رئيس وزارء العراق عام 1942 م.
وكانت بريطانيا قد واجهت أحلك الظروف في الحرب العالمية الثانية، ووقفت وحدها أمام دول المحور بعد استسلام فرنسا لهتلر، وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانبها. كما كانت ألمانيا تحاول استثارة العرب ضدها بإطلاق الوعود. فخشيت بريطانيا انفلات الأمر من يدها، كما خشيت أن يتجه العرب إلى الاتجاهات الإسلامية، وهم بحكم وضعهم ولغتهم من الممكن أن يسلم لهم العالم الإسلامي بالزعامة. هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت ترغب في إقامة منطقة نفوذ اقتصادية في الشرق الأوسط كله، فرغبت بالتالي في تمهيد الطريق أمام تقارب العرب فيما يشبه الحلف أو التضامن يسهل عليها التعامل معهم، من مركز واحد، كما كانت ترغب في انتزاع لبنان وسوريا من فرنسا ليخلو لها الجو [2] . علاوة على أنها بتبنيها أماني العرب في الوحدة تحقق هدفا غاليا عند العرب طالما تمنوه وعملوا من أجله، ويزيل ما علق بنفوسهم من حقد على بريطانيا لموقفها من فلسطين وتهويدها، وتبنيها للصهيونية. من أجل ذلك كله كان تصريح (إيدن) رئيس وزراء بريطانيا عام 1941 م في مجلس العموم البريطاني، وجاء فيه:
(1) الوثائق والمعاهدات في بلاد العرب - إصدار جريدة الأيام الدمشقية.
(2) طربين - الوحدة العربية ص 200.