الصفحة 88 من 543

"لهذه البلاد - بريطانيا [1] - تقاليد طويلة من الصداقة مع العرب، وهي صداقة قد أثبتتها الأعمال، وليس الأقوال وحدها، ولنا بين العرب عدد لا يحصى ممن يرجون لنا الخير، كما أن لهم هنا أًصدقاء كثيرون، وقد قلت منذ أيام في مجلس العموم أن حكومة جلالته تعطف كثيرا على أماني سوريا في الاستقلال، وأورد أن أكرر ذلك الآن، ولكني سأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول:"إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب الماضية. ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من الوحدة أكثر من الدرجة التي يتمتعون بها في الحاضر، وهم إذ يحاولون بلوغ هذه الوحدة، يعتمدون على مساعدتنا. وهذا النداء الصادر عن أصدقائنا، يجب ألا يبقى دون جواب. ويبدو لي أن من الطبيعي والعادل معا أن تقوى الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية، وكذا الروابط السياسية. وإن حكومة صاحب الجلالة من جانبها ستبذل مساعدتها التامة لكل خطوة يمليها اتفاق عام" [2] ".

وقد أعقب هذا التصريح جهود عربية لم تتعد نطاق الاستشارة أو المكاشفة والمداولة التي لم تتخذ أية صفة رسمية عملية [3] .

وجدد إيدن تصريحه عام 1943 م"بعطف بريطانيا على أماني العرب في الاتحاد، على أن تكون المبادرة من العرب أنفسهم". وكانت ظروف التصريح الجديد تختلف عن ظروف سابقه: فدول المحور ابتدأت بالتراجع، والحلفاء يتقلبون من نصر إلى نصر، والصهيونية تكيد لفلسطين وتكشر عن أنيابها، والفرنسيون يتشبثون بسوريا ولبنان، والجو العربي لا يخلو من سوء التفاهم [4] . فبادر النحاس باشا رئيس الوزراء المصري إلى الاتصال بزعماء العرب عام 1944 م، وتمت عدة لقاءات ومشاورات أسفرت عن مشروع وحدوي واسع في بروتوكول الاسكندرية (مؤتمر الاسكندرية) الذي جمع في 7 تشرين الأول عام 1944 م الدول العربية: مصر، والمملكة العربية السعودية، وسورية، ولبنان، والأردن، واليمن، والعراق.

ولكن المشروع الشبه اتحادي الذي أقره بروتوكول الاسكندرية اصطدم بالتحفظات فأسفر عن ميثاق من نوع المنتدى الدبلوماسي براوبط مرنة، ورخوة، وهو ميثاق جامعة الدول العربية [5] . وقعت عليه الدول العربية في 22 آذار عام 1945 م. والواقع أن بعض التحفظات كان لا بد منها عند بعض الدول، وكمثال على ذلك:

(1) اتصفت السياسة الانجليزية بعمق التخطيط والبطء في التنفيذ، والمرونة، فهي سياسة ذكية تعرف كيف تستغل الأحداث لتحقق ما تريده، وتحسن المراقبة، والاستكشاف، ثم تحسن الاستغلال والتوجيه، فهي كما وصفها السياسي الفرنسي المشهور جول فري:"تعرف من أين تؤكل الكتف". وسياستها هذه تركت أخاديد غائرة خطيرة في عالم الإسلام، وقضاياه الصعبة الحل في: فلسطين، وفطاني، وأراكان، وماليزيا، والهند، والخليج العربي، والجنوب العربي، وأريتريا، والصومال، والسودان، ونيجيريا، فما من قضية إسلامية إلا تجد بصمات السياسة الانجليزية عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

(2) التاريخ الدبلوماسي ص 151، 152، الوحدة العربية ص 198 عن: The Times 30 May 1491 .

(3) الوحدة العربية ص 226.

(4) نفسه ص 227.

(5) تاريخ عصرنا ص 475.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت