الصفحة 95 من 543

الفكر ركيزة هامة في حياة الأمم ودليل على حيويتها وتقدمها أو على جمودها وتخلفها في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية [1] والأمة القوية هي التي يجتمع أبناؤها على عقيدة واحدة ومباديء واحدة فتكون لها وجهة نظر واحدة أي تتمتع بوحدة الفكر.

وتعتبر وحدة الفكر من أبرز ظواهر التاريخ الإسلامي، فقد انتظم مختلف وحداته ودوراته وموجاته فكر واحد وثقافة واحدة، بقيت الربط المشترك الأعظم بينها مهما اختلفت أقطارها ودولها وأنظمتها. هذا الفكر هو روح الجماعة الإسلامية والمحرك الأساسي والقالب الذي تشكلت فيه مختلف القيم والمفاهيم والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولعل أبرز ما يتمثل في الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية هو:

الأصالة: فقد قام الفكر الإسلامي على التوحيد والنبوة والمساواة والعدل. وهي أسس جديدة خاصة بالحضارة الإسلامية لا صلة لها بالحضارات المادية السابقة للإسلام - السريانية والفارسية والرومانية واليونانية والهندية.

ولقد أدرك الأوروبيون وفي وقت مبكر ما للفكر من أهمية في صراعهم الحضاري مع المسلمين ولمسوه يقينا بما ترتب على نتائج الحروب الصليبية - لمسوا يومها أن انتصارهم العسكري لم يجدهم شيئا أو يبق لهم وجودا في الأمة الإسلامية بعد أن دحرهم صلاح الدين ومن بعده، ولذلك اتجهوا إلى أفكار الإسلام فانكبوا على الفكر الإسلامي فترجموه وقاموا بدراسته وتلخيصه، فكانت أولى أعمالهم ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية وبعدها فتح باب الدراسات الإسلامية والعربية عندهم على مصراعيه [2] ، فكانت حركة الاستشراق التي مهدت لهم طريق الاستعمار فيما بعد. هكذا عمل الأوروبيون على اكتشاف الفكر الإسلامي وترجمته من أجل إثراء ثقافتهم فقادهم ذلك إلى حركة النهضة الأوروبية وساروا فيها أشواطا. ثم عملت أوربا على كشف الفكر الإسلامي مرة أخرة لهدف سياسي لتضع خططها الرامية للسيطرة على بلاد الإسلام مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه هذه السياسة في البلاد الإسلامية لتسيطر على الشعوب الخاصة فيها لسلطانها [3] . ومن هنا بدأ يظهر الأثر السلبي للانتاج الاستشراقي الفكري الذي كتب عن المسلمين وأحيانا بالعربية ليمارس دور التخدير أو الاهاء ليبقى العالم الإسلامي خلوا من أي توجيه أصيل، وليبقى الباب مفتوحا لتلقي ما يصدرونه من أفكار تحكم سيطرة المستعمرين السياسية الاستعمارية تحت شعار التقدمية التي هي في الواقع ستار يخفي مطامع الغرب ووحشيته.

هذا الأسلوب هو ما نسميه: بالغزو الفكري: وهو الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، مما يتعلق بالعقيدة وما ينبثق منها من أفكار وتقاليد وأنماط حياة.

وهو من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما لكسب معارك الحياة منه ولتذليل قياده وتحويل مساره وضمان استمرار هذا التحويل حتى يصبح ذاتيا إذا أمكن، وهذا هو أقصى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للقلوب وإن كان في الوقت نفسه هو أقصى درجات نجاح الغزاة.

وسلاح هذا الغزو: الفكرة، والرأي والحيلة والنظريات والشبهات وخلابة المنطق وبراعة العرض وشدة لدادة الخصومة، وتحريف الكلم عن مواضعه وغير ذلك.

(1) السحمراني - مالك بن نبي - مفكرا اصلاحيا ص 132.

(2) السحمراني - نفسه ص 132.

(3) انتاج المستشرقين أحمد. م. س. ص 12 وأحمد يوغسلافي الجنسية مسلم. نال درجة الدكتوراة من الأزهر عام 1974 م برسالته التي عنوانها: فلسفة الاستشراق وأثرها على الأدب المعاصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت