ويتميز الغزو الفكري بالشمول والامتداد فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان، بل تمتد إلى شعب الحياة الإنسانية جميعا، وتسبق حروب السلاح وتواكبها، حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزوم وعزيمته، حتى يلين ويستكين، وتنقض تماسكه النفسي حتى يذوب كيانه، فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه، أو يصبح امتدادا ذليلا لهم [1] . وقد دمغ الله سبحانه وتعالى قادة هذا اللون من الحرب بأسماء وصفات غاية في النكارة، مثل: الشياطين، السفهاء، المعوقين، المرجفين، أكابر المجرمين، وأئمة الكفر، والذين في قلوبهم مرض.
كذلك سمى هذا اللون ذاته بصفات أساليبه الخسيسة ونتائجه الخبيثة مثل: زخرف القول، الغرور، الخبال، الفتن. . إلخ [2] .
وقد بين القرآن الكريم أن نتائج وغايات هذا اللون من الحرب هي أخبث وأنكد من آثار السيف والقتل - قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [3] .
وفي مرحلة السيطرة الاستعمارية على بلاد الإسلام اهتم الغرب كثيرا بإحداث الفراغ الفكري، واقتلاع الشعوب الإسلامية من جذورها الحضارية، بإظهار تهافت كل ما تملكه من مقومات أمام عصر الذرة وغزو الفضاء، ولم يفصل الغرب في عدائه للإسلام والمسلمين أبدا بين العروبة والإسلام، وإن حاولت جامعاته وإرسالياته أن تلقن المسلمين غير ذلك، (فموروبيرجر) أستاذ الشرق الأدنى بجامعة برنستون الأمريكية ومؤلف كتاب العالم العربي اليوم يقول في معرض حديثه عن معارضة الغرب للوحدة العربية:
"لقد ثبت تاريخيا أن قوة العرب تعني قوة الإسلام، ونفس الشيء يمكن أن يتكرر اليوم حيث يحرز الإسلام انتصارات واسعة في أفريقيا" [4] .
وعمل المستعمر على نقل المعركة بين أبناء البلد المغلوب على أمره، بأن استخدم من تربى في معاهده، ومن قلده، فأثارهم ضد دعاة الفكر الإسلامي في بلادهم، فتحول الأمر إلى صراع داخلي، أثار الفوضى، وسرب في غمرته الأفكار الهدامة، وزرع اليأس في نفوس دعاة الفكر الأصيل من إمكانية التغيير. بذلك حاول الغرب والمتغربون تعطيل النشاط الفكري، فبقي النشاط السياسي بالتالي أعمى، والأفكار دون جدوى [5] .
وحتى يتم تعطيل دور المفكر فقد عمل الإستعمار على:
أ- تنفير الرأي العام من أفكاره بجميع الوسائل المتاحة للإستعمار.
ب- تنفيره هو نفسه من القضية التي يكافح من أجلها بإشعاره بعبث كفاحه [6] .
فيخلق المستعمر بهذه الطريقة نمطين من المواجهة لأي مفكر يريد أن يدخل حلبة الصراع لمواجهته، حين يستغل إمكاناته الضخمة الإعلامية والثقافية وعملاءه في السر والعلن لكي يحارب شخصا وعى مشكلات بلاده، وأراد أن يوجهها بأسلوب سليم، بدايته وضع الأسس الفكرية، واستقطاب الناس حولها، وكثيرا ما تحاول حكومات بلاده التعتيم على ما ينشره أو يقوم به، وتزداد معاناته حين يواكبه قومه باللامبالاة، ويواجه بالأفكار المصدرة الملونة بالأحمر أو الأزرق، ولكنها في مضمونها تحمل القناعات الاستعمارية القديمة برداء الحرية والإخاء والمساواة، أو الماركسية والاشتراكية [7] ، وبهذا عمل الاستعمار على تحطيم المعنويات الإسلامية وبقية الروح الإسلامية التي يستند إليها وجود الأمة التاريخي بملامحها الخالدة المميزة له.
(1) د. عبد الستار - فتح الله - الغزو الفكري ص 7.
(2) فتح الله ص 11.
(3) سورة البقرة الآية 217، فتح الله ص 12.
(4) محمد جلال كشك - الغزو الفكري ص 7.
(5) سمابلوفتش - أحمد م. س الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ص 42، 43.
(6) السحمراني - مالك بن نبي ص 137.
(7) نفسه ص 139.