وقد شهد العالم الإسلامي تغيرات فكرية في عهد الجمود، وقبل انهيار الخلافة العثمانية، فنشطت دعوة المفكرين للعودة إلى الإسلام، والتكتل الإسلامي، أي فكرة الجامعة الإسلامية، وإصلاح أوضاع المسلمين وعقيدتهم كدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد [1] ، والدعوة السنوسية في ليبيا [2] ، والمهدية في السودان. والدهلوية في الهند [3] ، إلا أن هذه الدعوات الثلاث وما شابهها كانت محدودة النجاح حيث لم تتجاوز نطاق بيئتها الإقليمية. أما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكان لها أثر في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي.
وبعض هذه الدعوات انحصر عند حملة الأقلام والمفكرين ولم تمس عامة الناس إلا مسا خفيفا، فبقي عامة الناس على أوضاعهم العقدية، كما نشط دعاة التغريب وكان حملة الفكر في جميع الأطراف مضطرين أن يبرروا اتجاهاتهم وأفكارهم بالتوفيق مع الإسلام العميق الجذور لدى الأمة، وإن كان التخلف الفكري عندهم قد هد كيانهم وكيان الأمة، وكان من الممكن أن تنتهي الأمة في نهضتها على أسس الإسلام، ولكن الضربات الموجعة من قبل التحديات الخارجية، وشدة الانحراف عن النهج الإسلامي لدى عامة الناس كانت من الشدة بحيث حالت بين تلك العناصر المفكرة على أسس الإسلام وبين العامة. فذهبت جهود المفكرين بفائدة محدودة.
(1) حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ولد الشيخ محمد عام 1115 هـ / 1703 م في بلدة العيينة، إحدى قرى نجد، في شمال الرياض. في أسرة علمية. حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، وتتلمذ على أبيه في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وكان مشغوفا بالعلم والدراسة، واعتنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
رحل في طلب العلم، فذهب إلى مكة حاجا، ثم انتقل إلى المدينة، وطوف في البلدان الإسلامية المجاورة لنجد، وأخذ عن شيوخها وعلمائها، فزار الإحساء، وأقام في البصرة نحو أربع سنوات، وفي بغداد خمس سنوات وعاد إىل حريملة حيث كان يقيم والده بعد تركه العيينة، وبدأ دعوته وهو الخامسة والثلاثين من عمره، وقد ارتكزت هذه الدعوة على مبدئين رئيسيين:
1 -التوحيد: أي الدعوة إلى الله وحده، والتعبد له دون شريك، واعتمد في ذلك على القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار السلف، ونادى بالجهاد في سبيل نشر عقيدة التوحيد الخالصة لوجه الله دون اشتراك أحد معه في العبادة.
2 -الاجتهاد: بشرط عدم مخالفة نصوص القرآن والسنة، وآثار السلف الصالح. وأنكر تقليد أحد غير الأئمة الأربعة - أهل السنة والجماعة.
وركز الشيخ على محاربة البدع، وتقديس الأولياء والحج إلى قبورهم، والتمسح بأضرحتهم، وتقديم النذور، والاستشفاع بهم لجلب منفعة أو لدفع ضر. وكانت هذه الأضرحة والقبور في كل مكان وفي كل مدينة من العالم الإسلامي في عصر انحداره، بحيث انحرف أكثر المسلمين عن التوحيد الصحيح. وقد ركز الشيخ على مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله. وأطلق على نفسه وأتباعه اسم: (الموحدين) . أما (الوهابية) فهو اسم أطلقه عليهم خصومه. واستعمله الأوروبيون. ثم جرى على الألسن.
وقد تحولت دعوته إلى حركة جهاد، حين التقى بالأمير محمد بن سعود في الدرعية وبايعه على الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله والتمسك بسنة رسول الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الشعائر الدينية. وقامت المملكة العربية السعودية الأولى. وتوفي عام 1206 هـ / 1791 م. (انظر ابن غنام - روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، الشيخ أحمد بن حجر - الشيخ محمد بن عبد الوهاب. د. صالح العبود: عقيدة محمد بن عبد الوهاب)
(2) انظر فصل أفريقيا والمسلمون في هذا البحث.
(3) اتظر فصل المسلمون في الهند وكشمير في هذا البحث.