وبعد انهيار الخلافة العثمانية عام 1343 هـ / 1924 م، واجه الغرب الصليبي والشيوعية، والصهيونية الأمة الإسلامية بالتحدي الكبير فنشط الاستشراق [1] ، والتبشير [2] ، والمنحرفون من الأمة نفسها، وأصبحوا في حل من القيود، يعبثون كما شاء لهم العبث، وأخذت أفكارهم بما أوتيت من دعاية منظمة، تجد هوى وتأييدا لدى العامة لتصبح رأيا عاما باسم التقدمية، والنهضة، والإصلاح، ومقاومة الاستعمار، وقامت مدرسة فكرية جديدة بين المسلمين ترمي إلى تقريب الشقة بين تعاليم الإسلام، وبين ما جاءت به حضارة الغرب، من أفكار ونظريات في ميادين الحياة، فبرزت الأفكار التوفيقية وكان عماد هذا العمل هو تفسير النصوص تفسيرا عصريا يلائم الفكر السائد، ومحاولة إيجاد نقطة التقاء بين الخطين الإسلامي والمادي على تباينهما، وعلى الأقل على تباعدهما - وقد ألجأ الهجوم الفكري في هذه المدارس إلى مواقف دفاعية غريبة عن الإسلام، إذ جردته من كثير من أحكامه الصريحة، وجاءت لها بمعان جديدة بعيدة كل البعد عما تلقاه المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك مثل: تعدد الزوجات، والطلاق، والربا، والتماثيل، والجهاد، وأهل الذمة. . .
وهذه الأمور كلها بلغ فيها الإسلام الغاية العليا في الأحكام والسمو، ولكنها عادت في رؤية المدارس المغلوبة أمام الضغط الفكري الغازي - عادت مثالب أو نقاط ضعف في الإسلام تحتاج إلى دفاع - أو هي في أوهامهم - كانت فضائل صالحة لزمانها، واحتاج التطور البشري إلى تعديلها [3] . ولووا عنق النصوص ليؤيدوا فروضهم التي وضعوها. ووجد المفكرون المسلمون الخلص أنفسهم في مؤخرة الركب، لا في الصدارة الجديرة بهم، فالإلحاديون والماديون وتلاميذ المستعمرين والتوفيقيون يسددون عليهم الطرق، ويثيرون حولهم الضجيج، ورغم ذلك ظلوا على ولائهم للفكر الأصيل وإيمانهم به فعالجوا قضايا الفكر الإسلامي ومدى ارتباطه بواقع البشر معالجة بارعة مقنعة.
(1) معظم المستشرقين من المبشرين.
(2) التبشير باعثه الحقيقي والأول في رأي القائمين به هو القضاء على الأديان غير النصرانية توصلا إلى استعباد أبنائها ويبدو بوضوح أن أشد الأديان مراسا في إباء الاستعباد هو الإسلام ولذلك يتمنى المبشرون أن ينصروا المسلمين كلهم. ومع أن التبشير يتناول البوذيين والبرهميين أيضا فإن المقصود الأول بالجهود التبشيرية هم المسلمون، ولقد استوى في هذه الرغبة جميع المبشرين على الرغم من اختلاف طوائفهم وتباين الأقنعة التي يرفعونها على وجوههم.
(التبشير والاستعمار ص 45)
(3) انظر فتح الله ص 93 - 94.