وأطلت رؤس الأفكار المنحرفة بدون حاجز وبحرية كاملة، بما يملكونه من وسائل نشر ودعاية وإعلان ووظائف عليا وحراسة، فدخل الفكر القومي والوطني والعلماني والمادي والاشتراكي والعالمي الوجودي إلى صفوف المسلمين باسم العلم وحرية البحث، والنهضة، والإصلاح، والثورة على كل قديم على حساب الرابطة الإسلامية. فمبدأ القومية يستهدف العنصرية، وهي تستهدف إيجاد الصدع بين العرب والفرس والترك والهنود وهم جميعا مسلمون، كما تهدف إلى إعلاء شأن التاريخ الإقليمي [1] ، وفكرة العالمية تستهدف القضاء على الذاتية الإسلامية المتميزة، وهي كثيرة، كانت تلبس ثوب الرحمة والإنسانية وحب السلام والوئام منها: الماسونية والشيوعية والروحية والدعوة إلى التوفيق بين الأديان، وبين الإسلام والنصرانية منها خاصة [2] والدعوة إلى القومية والعالمية - سارت في خط واحد من أجل معارضة مفهوم الإسلام الذي دعا إلى وحدة فكرية واجتماعية بين أهله تعلو على العنصر والقومية والدم.
وأدرك الغرب أن العالم العربي بخصائصه وحسن موقعه الجغرافي وأهميته السياسية يحسن الاضطلاع برسالة الإسلام، ويستطيع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامي، ويزاحم أوربا وينتصر عليها، إذا هو تمسك برسالة الإسلام، ولقد مر معنا، أن الغرب في عدائه للإسلام والمسلمين لم يفصل أبدا بين العروبة والإسلام، كما مر معنا رأي موروبيرجر، والبيانات الفرنسية في حرب الجزائر كانت تعلن مصرع كذا من المسلمين في معارك الجزائر [3] ، فبعد أن حاول الفصل بين العرب والعالم الإسلامي، واجه العرب بالتحدي فأثار في مختلف أجزائه أفكارا إقليمية ضيقة تبدد أفكاره، فبرزت فيه دعوات فكرية هدامة نذكر منها:
1 -الدعوة إلى الإرتماء في أحضان الغرب، وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز، وقد ترجم هذا الإتجاه كثير من الذين تقدموا إلى الصفوف الأولى في قيادة الأمة، بعد زوال الخلافة العثمانية، مثل: طه حسين، وسلامة موسى، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وصهره إسماعيل مظهر في مصر.
فسلامة موسى في كتابه (اليوم والغد) 1345 هـ (1926 م) يرى أن مصر جزء من أوربا، وليست جزءا من آسيا (أي من الإسلام) [4] ويرى:"أننا إذا أخلصنا النية مع الانجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم. وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا فإننا نقضي على الرجعية في مصر وننتهي منها، فلنول وجهنا شطر أوربا" [5] .
وطه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر (ظهر سنة 1357هـ / 1938 م) فيقول:"إن سبيل النهضة واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء وهي: أن نسيرة سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد وما يعاب" [6] وهذا شبيه بقول (أغا أوغلي أحمد) أحد غلاة الكماليين من الترك في أحد كتبه:
"إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الإلتهابات التي في رئيهم والنجاسات التي في أمعائهم" [7] .
(1) أنور الجندي - تاريخ الإسلام في مواجهة التحديات ص 300.
(2) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 315.
(3) كشك - ص 7، ص 12.
(4) الاتجاهات الوطنية ج 2 ص 222.
(5) نفسه ج 2 ص 227.
(6) مستقبل الثقافة في مصر ص 41.
(7) مصطفى صبري - موقف العقل والعلم والعالم ج 1 هامش ص 369. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع - والله لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم".