وقاسم أمين يقول في كتابه المرأة الجديدة، بعد أن تحدث عن أوضاع المرأة المسلمة في مصر:"هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شئون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها، وإذا أتى ذلك الحين - ونرجوا ألا يكون بعيدا - انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا، إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية [1] ."
وتقاطرت البعثات على الدول الأوروبية من أبناء المسلمين استكمالا لتعليمهم العالي وما ماثله، وكانت هذه هي نهاية المطاف في الإجهاز على بقايا الإسلام وطباع الشرق وعاداته في نفوس أكثرهم، حيث لا يرجعون إلا وقد تأثروا بوجهة الغرب وفلسفته، أو أخذوا طريقة العيش الأوربي، (على حد تعبير المؤرخ توينبي) وبذلك أصبحوا رصيدا في حساب أعداء الإسلام بالسلوك والتربية، لإحداث الانقلاب الجذري في حياة المسلمين من حيث علموا أو جهلوا، ومن حيث أرادوا أو انساقوا مع التيار بلا فهم ولا وعي [2] . وقد عم هذا الأسلوب بلاد الإسلام، ومن هذه الصور ما كتبه ك. ك. برج: الأستاذ بجامعة ليدن يقول:
"اضطر الأندونوس من جانبهم إلى انتجاع الجامعات الهولندية لاستكمال دراستهم. . . نجد أولئك المعلمين ينسفون بقوة ثقافتهم الغربية من نفوس الناس اعتقادهم بالعادات القديمة واحترامهم لها - ومعنى هذا أنهم يوهنون أساس المجتمع القديم وأساس الإسلام أيضا. ."
إن تغير نزعة الشباب الأندونيسي المستنير إزاء ثقافته القديمة بتأثير التعليم الأوربي وبتأثير البيئة الهولندية يشبه ما حدث عند الشباب المصري منذ نصف قرن أو ثلاثة أرباع القرن، ومسلك الشباب الأندونيسي إزاء التعليم الغربي يسير على مثل ما سار في مصر، يظهر الشباب عداءه للعقلية الغربية ولكنه لا يستطيع في الوقت نفسه الاستغناء عن الثقافة الغربية. . وهو ينزع نزعة قومية شديدة ولكنه رغم ذلك منقطع من وجوه كثيرة - بسبب ثقافته الغربية - عن جمهور الأمة التي ولد فيها" [3] ."
2 -احتقار الماضي الإسلامي وتربية الأجيال تربية علمانية (لادينية) حديثة:
والاتجاهات الفكرية التي حملت وزر هذا، تلك التي دعت إلى الإرتباط بالماضي التاريخي الغامض، البعيد، السابق على ماضيهم الإسلامي الحي، ودعوة إحياء الحضارات القديمة ظهرت في وقت واحد في كل من تركيا ومصر والشام والعراق وشمال أفريقية وفارس والهند وأندونيسيا [4] . يقول أحد المستشرقين:"إننا في كل بلد إسلامي دخلنا، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات [5] ".
ومن الدعوات: الفرعونية في مصر: التي أطلت برأسها عند غزو نابليون لمصر عام 1897 م فقد استصحب معه بعثة علمية للتنقيب عن آثار الفراعنة، وأنشأ معهد الآثار الفرعونية في حي المنيرة بالقاهرة وما يزال قائما مكانه إلى اليوم. فنشط دعاتها لغزو الأقطار بها وملأوا أبصار قارئي الصحف، وأسماع شاهدي الندوات بالدعاية لها، ورسموا رأس أبي الهول على طوابع البريد وعلى أوراق النقد واتخذه النحات محمود مختار شعارا لتمثال نهضة مصر الذي وضع نموذجه في باريس عام 1920 م.
(1) المرأة الجديدة ص 192 - 193.
(2) فتح الله ص 74.
(3) (كتاب وجهة الإسلام ص 190 ترجمة أبي ريدة) . فتح الله ص 77.
(4) حصوننا مهددة من الداخل ص 69.
(5) محمد قطب - واقعنا المعاصر ص 202 عن Near East, Cultured, Society Ediled by. T. Cuylan Young .