و الأسود ( المصنف 3/ 107) قالا: ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلوات إلا إذا حارب فإنه كان يقنت في الصلوات كلهن ، ولا قنت أبو بكر ، ولا قنت عمر ، ولا عثمان ، حتى ماتوا حتى ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام ، فكان يقنت في الصلوات كلهن . ويقول أبو مجلز كما في"السنن الكبرى" (2/302) : صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له لا أراك تقنت فقال: لا احفظ عن أحد من أصحابنا. لذلك قال الشوكاني - رحمه الله - ( نيل الأوطار 1/ 376) إذا تقرر ذلك علمت ان الحق ما ذهب إليه من قال أن القنوت مختص بالنوازل وانه ينبغي عند نزول النازلة ان لا تخص به صلاة دون صلاة وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث انس عند ابن خزيمة، وقد تقدم، ومن حديث أبى هريرة عند ابن حبان بلفظ: كان لا يقنت الا ان يدعو لاحد او يدعون على احد، واصله في البخاري. أهـ ويقول شيخ الإسلام رحمه الله بعد عرضه الخلاف في المسألة .. ( 22/269) والصواب هو القول الثالث الذي عليه جمهور أهل الحديث وكثير من أئمة الحجاز وهو الذي ثبت في الصحيحين وغيرهما ، أنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم ترك هذا القنوت ، ثم أنه بعد ذلك بمدة بعد خيبر ، وبعد إسلام أبي هريرة قنت ، وكان يقول في قنوته: اللهم انج الوليد .. فلو كان قد نسخ القنوت ، لم يقنت هذه المرة الثانية ، وقد ثبت في السنة أنه كان يقنت في الصلوات الخمس وأكثر قنوته كان في الفجر ، ولم يكن يداوم على القنوت لا في الفجر ولا غيرها بل ثبت في الصحيحين عن أنس أنه قال:"لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا"فالحديث الذي رواه الحاكم وغيره من حديث الربيع ابن أنس أنه قال:"ما زال يقنت حتى فارق الدنيا"إنما قاله في سياقه القنوت قبل الركوع، وهذا الحديث لو عارض الحديث الصحيح، فكيف وهو لم يعارضه. وانما معناه أنه كان يطيل القيام في الفجر دائما، قبل الركوع. وأما انه كان يدعو في الفجر دائما قبل الركوع او بعده بدعاء يسمع منه أولا يسمع فهذا باطل قطعا، وكل من تأمل الأحاديث الصحيحة علم هذا بالضرورة، وعلم أن هذا لو كان واقعا لنقله الصحابة والتابعون، ولما أهملوا قنوته الراتب المشروع لنا، مع انهم نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه، وانما يشرع نظيره؛ فان دعاءه لأولئك المعينين، وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع باتفاق المسلمين؛ بل إنما يشرع نظيره. فيشرع ان يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين، ويدعو على الكفار في الفجر، وفي غيرها من الصلوات، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه: (اللهم العن كفرة اهل الكتاب) الى آخره. أهـ قلت: وحديث الربيع بن أنس الذي ذكره شيخ الإسلام ، هو عمدة من يقول بهذا القنوت،والحق أنه ضعيف لا يثبت ، فأكثر المحدثين على تضعيفه ، ففي سنده أبو جعفر الرازي ، وقد ضعفه الأئمة قال ابن المديني: يخلط، وقال الإمام احمد: ليس بالقوي، وقال ابن معين - رحمه الله -: ثقة ولكنه يخطأ، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقد حكم الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - على الحديث بالنكارة كما في الضعيفة (3/384) برقم (1238) ، وانظر للفائدة زاد المعاد (1/267) . فإذا تبين ضعف الحديث علمت أخي القارئ ضعف ما ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله - كما في"المجموع (3/482و484) "من أن المراد بترك القنوت في الأحاديث هو ترك الدعاء على المشركين ، لا أصل القنوت ، والذي ألجأ الإمام النووي - رحمه الله - إلى هذا القول هو ثبوت الحديث الآنف الذكر عنده ، فأراد أن يجمع بين شمل الأدلة ، ويوفق بين النصوص . قال ابن القيم رحمه الله"زاد المعاد" ( 1/264) وكان هديه في القنوت في النوافل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر.. فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر واسلم من دعا عليهم، وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر والمغرب. اهـ وإليه أشار ابن حزم في"المحلى 3/62) . ويقول الإمام احمد كما ذكر ذلك الإمام ( الترمذي 2/252) : لا يقنت في الفجر الا عند نازلة تنزل بالمسلمين فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين، بل قال الترمذي رحمه الله عقب ذكره هذا الأثر عن الإمام احمد: والعمل عليه عند اكثر اهل العلم . اهـ قلت: أما ما رواه البيهقي في"السنن الكبرى ( 2/287") وغيره ، في ثبوت القنوت في الفجر عن الصحابة، كمثل ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقنت ، وخلف عمر فقنت ، وخلف عثمان فقنت . ونحو ما جاء عن العوام بن حمزة قال: سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح ، قال: بعد الركوع ، قلت: عمن ؟ ، قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان (2/288) . و نحو ما جاء عن الأسود قال: صليت خلف عمر في السفر والحضر فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر (2/289 ونحو"