ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) [1] ، وكان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذِكرُ الله تعالى في القتال، فعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال:"اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحُول، وبك أَصول، وبك أقاتل" [2] ، وبلغ من ثباته صلى الله عليه وسلم ساعة انكشف المسلمون في بعض الغزوات والمعارك مبلغًا عظيمًا يدل على كمال تأييد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويدل على كمال مقومات وخصائص القيادة العسكرية الفذة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال رجلٌ للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حُنين؟ قال:"لكن رسول الله لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أنا النبي لا كَذِب، أنا ابن عبد المطلب" [3] ، وفي رواية مسلم رحمه الله:"فأقبل القومُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نَزِّل نصرك". قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. [4] قلت: هذا والله هو الثبات، وهذا والله هو الذكر عند اللقاء، وهذا والله هو القائد المسلم بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه."
وإن ها هنا شبهةً قد تطرأ على البعض، وقد يُلبِّس بها البعض على مكانة الجهاد في سبيل الله، ذلك أنه قد صحت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يُفهم من ظاهرها تفضيل عبادةِ الذِكر على عبادة الجهاد، فيتقاعس الناس عن أداء العبادة المفضولة حسب هذا الفهم الخاطئ، ويصرفون همتهم للعبادة الأفضل حسب ظنهم، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أنبئكم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تَلقَوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى" [5] ، وعن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما عمل آدميٌ عملًا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" [6] ، فهذه الأحاديث قد يستشكل بها البعض الترغيب في الجهاد والقتال وبذل النفوس وسفك الدماء في عبادةٍ مفضولة بالنسبة إلى ذكر الله، ولقد حقق العلامة الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله هذه المسألة تحقيقًا
(1) سورة الأنفال - آية 45 - 46
(2) سنن أبي داود - حديث 2632
(3) صحيح البخاري - حديث 2864
(4) صحيح مسلم - حديث 1776
(5) سنن الترمذي - حديث 3377
(6) مسند أحمد - حديث 22132