نفيسًا فبين أن المراتب ثلاثة، المرتبة الأولى اجتماع الذكر والجهاد وهي أعلى المراتب وهي تحقيق قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) [1] ، والمرتبة الثانية وهي دون الأولى مرتبة الذكر بلا جهاد، والمرتبة الثالثة وهي دون الثانية مرتبة الجهاد بلا ذكر وهذه المرتبة لا يُشك أنها دون الذِكر المجرَّد لدلالة النصوص على ذلك، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"والذاكرُ أفضلُ من هذا (أي من المجاهد الغافل) ، وإنما وُضع الجهاد لأجل ذكر الله، فالمقصود من الجهاد أن يُذكر الله، ويُعبد وحده، فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خُلقوا لها" [2] ، فالخلاصة والجمع بين النصوص ما قاله الحافظ ابن قيم الجوزية:"إن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون" [3] .
وإن أنواع الذكر عند القتال تتناول كل ما هو ذكرٌ شرعًا من صلاةٍ وتسبيحٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ، وقراءة قرآن، ودعاء، بل حتى الأراجيز والأشعار المهيجة على الحرب والقتال في سبيل الله نرجو أن تكون كذلك، ومن أمثلة الأخير ما صح عن البراء رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهو ينقل التراب حتى وارى الترابُ شعرَ صدره، وكان رجلًا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنِزلنْ سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا
يرفع بها صوته" [4] ."
ومن الذكر عند القتال والغارة ما صح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر، فجاءها ليلًا، وكان إذا جاء قومًا بليل لا يُغِيرُ عليهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه
(1) سورة الأنفال - آية 45
(2) حاشية ابن القيم - 7/ 127، وبيان المراتب الثلاثة من كلامه رحمه الله بتصرف، وما بين القوسين من كلامي.
(3) الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن قيم الجوزية - 1/ 58
(4) صحيح البخاري - حديث 3034