الصفحة 56 من 79

أرواحهم ودماءهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم، فهم قليلٌ من قليلٍ من قليل، ولا يمكن أن يوصل إلى المجد إلا من هذا الطريق، وهذا الطريق وحده"."

إن ذكر الله تعالى ليس مجرد كلام، وإن الاستفتاح على الله تعالى وتمني لقاء العدو له تبعاته، وليس مجرد كلام يلقى على عواهنه، ولهذا ورد النهي عن تمني لقاء العدو وورد الأمر بالثبات عند لقائه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبًا قال:"أيها الناس؛ لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قال: اللهم مُنزِل الكتاب، ومُجرِي السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" [1] . فالدعاء وذكر الله تعالى أهم مقومات الثبات والصبر عند اللقاء، وليس ثبات الجسد في الظاهر إلا انعكاسًا لثبات القلب في الباطن، وتأمل مصداق ذلك في قوله تعالى لأهل بدر: (إذ يُغشِّيكم النعاس أَمَنَةً منه ويُنَزِّلُ عليكم من السماء ماءً لِيُطهِّركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان ولِيربط على قلوبكم ويُثبّت به الأقدام) [2] ، فهذه الآية العظيمة قد جمعت مقومات الثبات الباطن والظاهر، حيث أشارت إلى طهارة الظاهر بنعمة الماء الذي أنزله الله تعالى على المجاهدين من السماء، وأشارت إلى طهارة الباطن بإذهاب رجز الشيطان ووساوسه وخواطره السيئة، ثم بينت الآية الكريمة أثر هذه الطهارة الباطنة والظاهرة، حيث أورثت طهارةُ الباطن ثباتَ القلب ورباطةَ الجأش فقال تعالى (وليربط على قلوبكم) ، وأورثت طهارةُ الظاهر ثباتَ الأقدام حيث قال تعالى (ويثبت به الأقدام) ، وما هذا الثبات والرباط إلا ثمرة استحضار عظمة الله الذي يتوكل عليه المجاهدون، وثمرة ذكر الله تعالى عند مصافة العدو والتحام الصفوف، وإن هذا الذكر والثبات والرباط هو المعول عليه لكسر جيوش الكفار وخلع قلوبهم، قال تعالى في الآية التالية: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبِّتوا الذين آمنوا سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان) [3] ، فأي شيء يصمد أمام تثبيت الله تعالى جندَه الموحدين، وأي شيء يصمد أمام زلزال المؤمنين يجلبون على فئران الكفر يحطمون رؤوسهم، ويكسرون شوكتهم، فيعذب الله تعالى مَن شاء مِن الكفار بمَن شاء مِن جنده المؤمنين، وهذه هي ثمرة الذكر، وهذه هي حقيقة الذكر. وتأمل ذكر الله الذي يُثمر عزة الدين، وفلقَ هامِ الكافرين لتعلم سمو هذه المنزلة، ولتعلم أن ما بين ذكر الله تعالى والجهاد في سبيله ليس من جنس التضاد والتنافر في شيء، كما يتوهم

(1) صحيح البخاري - حديث 2965 - 2966

(2) سورة الأنفال - آية 11

(3) سورة الأنفال - آية 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت