الصفحة 43 من 141

إحساسهم بأن هذا الخروج هو علة الموت أو القتل , يذهب بأنفسهم حسرات أن لم يمنعوهم من الخروج!

ولو كانوا يدركون العلة الحقيقية وهي استيفاء الأجل , ونداء المضجع , وقدر الله , وسنته في الموت والحياة , ما تحسروا. ولتلقوا الابتلاء صابرين , ولفاءوا إلى الله راضين:

(والله يحيي ويميت) . .

فبيده إعطاء الحياة , وبيده استرداد ما أعطى , في الموعد المضروب والأجل المرسوم , سواء كان الناس في بيوتهم وبين أهلهم , أو في ميادين الكفاح للرزق أو للعقيدة. وعنده الجزاء , وعنده العروض , عن خبرة وعن علم وعن بصر:

(والله بما تعملون بصير. .) . .

على أن الأمر لا ينتهي بالموت أو القتل ; فهذه ليست نهاية المطاف. وعلى أن الحياة في الأرض ليست خير ما يمنحه الله للناس من عطاء. فهناك قيم أخرى , واعتبارات أرقى في ميزان الله:

(ولئن قتلتم - في سبيل الله - أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون. ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) . .

فالموت أو القتل في سبيل الله - بهذا القيد , وبهذا الاعتبار - خير من الحياة , وخير مما يجمعه الناس في الحياة من أعراضها الصغار:

من مال ومن جاه ومن سلطان ومن متاع. خير بما يعقبه من مغفرة الله ورحمته , وهي في ميزان الحقيقة خير مما يجمعون. وإلى هذه المغفرة وهذه الرحمة يكل الله المؤمنين. .

إنه لا يكلهم - في هذا المقام - إلى أمجاد شخصية , ولا إلى اعتبارات بشرية. إنما يكلهم إلى ما عند الله , ويعلق قلوبهم برحمة الله. وهي خير مما يجمع الناس على الإطلاق , وخير مما تتعلق به القلوب من أعراض. .

وكلهم مرجوعون إلى الله , محشورون إليه على كل حال. ماتوا على فراشهم أو ماتوا وهم يضربون في الأرض , أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان. فما لهم مرجع سوى هذا المرجع ; وما لهم مصير سوى هذا المصير. .

والتفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه والاهتمام. .

أما النهاية فواحدة:

موت أو قتل في الموعد المحتوم , والأجل المقسوم. ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر. . ومغفرة من الله ورحمة , أو غضب من الله وعذاب. .

فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس. وهو ميت على كل حال!

بذلك تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة , وحقيقة قدر الله. وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر ; وإلى ما وراء القدر من حكمة , وما وراء الابتلاء من جزاء. .

وبذلك تنتهي هذه الجولة في صميم أحداث المعركة , وفيما صاحبها من ملابسات. .

وأما قولك:

ثامنا: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يترك بعض الأمور التي لو كانت معزولة لكان لها حكم و فعل آخر. و لكنه صلى الله عليه و سلم تركها لاعتبارات أخرى، و من ذلك مثلا: لم يقتل ابن سلول و قال لئلا يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأشار الى العلة و أظن أن ماعناه صلى الله عليه و سلم هو خوفه من أن يبتعد عنه الناس بفعل هذه الأعمال التي قد لا تتضح لجميع الناس الحكمة منها .. مع ان ابن سلول كان رأس المنافقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت