-وقال البغوي في شرح السنّة 12 / ص 13، باب الغزو بالنساء"في الحديث دليل على جواز الخروج بالنساء في الغزو كنوع من الرفق والخدمة، فإن خاف عليهنّ لكثرة العدو وقوتهم أو خاف فتنتهنّ لجمالهنّ وحداثة أسنانهنّ فلا يخرج بهنّ".
ومن خلال هذه النقول نفهم أن عدم وجوب الجهاد على المرأة لا يعني عدم جواز المشاركة للجيش، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج بعض نساءه في الغزوات كما هو معلوم، ولا شك أنه إذا حاق بالمسلمين والحالة هذه فللمرأة أن تدافع وتصاول، والأمثلة لهذا المعنى كثيرة وإن كان القصد في الخروج إنما للمداواة والسقي ونحو ذلك وفي حدود الشرع. وأكتفي بمثالين لذلك:
أ- قالت نسيبة بنت كعب رضي الله عنها"لما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خصلت الجراح إليّ. وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما التفتّ يمينًا ولا شمالًا إلا رأيتها تقاتل دوني".
ب- ما حدث لأم حكيم بنت الحارث بن هشام في وقعة الصُفر، فقد كانت تحت عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها بأجنادين فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، وكان يزيد بن أبي سفيان يخطبها وكان خالد بن سعيد يرسل إليها في عدتها يتعرّض للخطبة، فخطبت إلى خالد بن سعيد فتزوجها على أربع مائة دينار. فلما نزل المسلمون مرج الصفر أراد خالد أن يعرس بأم حكيم فجعلت تقول: لو أخرت الدخول حتى يَفُضّ الله هذه الجموع. فقال خالد: إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم. قالت: فدونك، فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر، وفيها سميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها في صبح مدخله، فدعا أصحابه على طعام فما فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها، فلما كانت المبارزة وبرز خالد بن سعيد فقاتل فقتل، وشدت أم حكيم عليها ثيابها وغدت وإن عليها درع الخلوق في وجهها، فاقتتلوا أشد القتال على النهر وقتَلت أم حكيم يومئذ سبعة بعمود الفسطاط"."
وجملة القول أن للمرأة أن تخرج مع محارمها وزوجها بقصد المشاركة من مداواة ونحو ذلك، فإذا داهم العدو وعجز الرجال، فلها أن تمتشق السيف وتضرب ضرب غرائب الإبل.
والثبات في سيرة نساء الصحابة أنهن - وإن كن لا يباشرن القتال ابتداء - كنّ على علم بفنون القتال إذا دفعت الضرورة، ويكفي أن عائشة كانت تقول"لو كنت رجلًا لم أجاهد إلا في البحر، وذلك أني سمعت رسول الله يقول: من أصابه ميد في البحر كان كالمتشحط في دمه في البر". وقالت أيضًا"ما أعجز الرجال؟ لو كنت رجلًا ما اخترت على الرباط عملًا".