فهرس الكتاب
إذَا خَشِيَ الْأَسْرَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ , وَلَا يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ ; لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ , وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ , بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ , وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ , كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قِصَّةُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ وَأَصْحَابِهِ , فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَشَرَةً عَيْنًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ , فَنَفَرَتْ إلَيْهِمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ , فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إلَى فَدْفَدٍ , فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا , فَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ , وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلَّا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا , فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ , فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ مَعَهُ , وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ , مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثْنَةُ , فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ , أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا} . قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: فَعَاصِمٌ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ , وَخَبِيبٌ وَزَيْدٌ أَخَذَا بِالرُّخْصَةِ , وَكُلُّهُمْ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَلَا مَلُومٍ. مَوْطِنُ الْبَحْثِ: أَبْوَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ , عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ الْفِرَارِ وَالزَّحْفِ فِي الْقِتَالِ.
اسْتِسْلَامٌ التَّعْرِيفُ:
1 -الِاسْتِسْلَامُ فِي اللُّغَةِ: الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلْغَيْرِ. وَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ"اسْتِسْلَامٍ"بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. وَيُعَبِّرُونَ أَيْضًا عَنْ الِاسْتِسْلَامِ بِ"النُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ وَقَبُولِ الْجِزْيَةِ". الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ , وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: 2 - أ - اسْتِسْلَامُ الْعَدُوِّ سَوَاءٌ أَكَانَ كَافِرًا - مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ - أَمْ مُسْلِمًا بَاغِيًا مُوجِبٌ لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِ. وَقَدْ أَفَاضَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ , وَفِي كِتَابِ الْبُغَاةِ. 3 - ب - لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِعَدُوِّهِ الظَّالِمِ - سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا - إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ , أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ , وَلَا يَجِدُ حِيلَةً لِلْحِفَاظِ عَلَيْهَا إلَّا بِالِاسْتِسْلَامِ , فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الِاسْتِسْلَامُ لِعَدُوِّهِمْ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ. وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الصِّيَالِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلصَّائِلِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا. وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ , لَا تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ إلَّا إذَا كَانَ الِاسْتِسْلَامُ لِلْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) بِهَذَا الشَّرْطِ.
55 -وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الِاسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ , وَأَلَّا يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إمَامًا , أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الشُّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الصُّمُودِ , وَأَنْ تَأْمَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ. وَالْأَوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الْأَسْرِ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ , وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ , لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ , وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ , وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ , لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.