فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 1150

قال تعالى مبينا أن عدونا يصاب بالأذى والوهن كما نصاب لكن الفرق كبير بينهما: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) } [آل عمران]

وَلاَ تَضْعَفُوا عَنِ الجِهَادِ، وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ وَالإِعْدَادِ، بِسَبَبِ مِا أَصَابَكُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالجِرَاحِ يَوْمَ أحُدٍ، وَلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَقَدْتُمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، فَإِنَّ العَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ سَيَكُونَانِ لَكُمْ إذَا تَمَسَّكْتُمْ بِحَبْلِ اللهِ، وَرَاعَيْتُمْ تَعَالِيمَهُ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ أنْ يَجْعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

إنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ، وَقُتِلَ مِنْكُمْ رِجَالٌ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِمَّا أَصَابَكُمْ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَقْعُدُوا وَتَتَقَاعَسُوا عَنِ الجِهَادِ بِسَبَبِ مَا أَصَابَكُمْ، فَالمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقَ أنْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ أَنْتُمْ فِي أحُدٍ، فَلَمْ يَتَقَاعَسُوا، وَلَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الإِعْدَادِ لِلْحَرْبِ وَمُبَاشَرَتِهَا، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، فَكَيْفَ تَتَرَدَّدُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، وَاللهُ وَعَدَكُمْ نَصْرَهُ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لَكُمْ؟ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى مُدَاوَلَةُ الأَيَّامِ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَرَّةً تَكُونُ الغَلبَةُ لِلْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ، إذَا أَعَدَّ لَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَاطُوا، وَتَرَاخَى أَهْلُ الحَقِّ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ. وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِمًا لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالًا يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ.

وَيُدَاوِلُ اللهُ الأيَّامَ بَيْنَ النَّاسِ لِيَمِيزَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، مِنَ المُنَافِقِينَ، وَلِتَطْهُرَ نُفُوسُ بَعْضِ ضُعَفَاءِ المُؤْمِنِينَ مِن كُدُورَتِهَا، فَتَصْفُوَ مِمَّا شَابَهَا وَخَالَطَهَا، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إلا بِالتَّجَارِبِ الكَثِيرَةِ، وَالامْتِحَانِ بِالشَّدَائِدِ، وَلِيَكُونَ الجِهَادُ وَالحَرْبُ فِي سَبيلِ اللهِ وَسِيلةً لِتَدْمِيرِ الكَافِرِينَ الذِينَ إذا ظَفِرُوا بَغَوا وَبَطِرُوا.

وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ.

ويُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَهِدَ وَقْعَةِ أحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقًا لِلْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ لَهُمْ يَومٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وَقَدْ أَلَحُّوا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي الخُرُوجِ إلَى أحُدٍ لِيُقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاءِ: لَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَبْلَ أنْ تُلاَقُوا القَوْمَ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَمَا بَالُكُمْ دَهِشْتُمْ عِنْدَمَا وَقَعَ المَوْتُ فِيكُمْ؟ وَمَا بَالُكُمْ تَحْزَنُونَ وَتَضْعُفُونَ عَنْ لِقَاءِ مَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَتَتَمَنَّوْنَ؟ (أيسر التفاسير)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت