فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 1150

ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة , يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق. وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب , وما كان فيه من خوف وقلق ; في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة. .

وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم , لا مجرد النجاة منهم!

لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبسوه حتى يموت ; أو ليقتلوه ويتخلصوا منه ; أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا. .

ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله ; على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا ; ليتفرق دمه في القبائل ; ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها , فيرضوا بالدية وينتهي الأمر!

قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق , أخبرنا معمر , أخبرني عثمان الجريري , عن مقسم مولى ابن عباس , أخبره ابن عباس في قوله: (وإذ يمكر بك) . . .

قال:"تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ; فبات عليّ - رضي الله عنه - على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه ; فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم , فقالوا: أين صاحبك هذا ? قال: لا أدري!"

فاقتصوا أثره ; فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم , فصعدوا في الجبل , فمروا بالغار , فرأوا على بابه نسج العنكبوت , فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. .

فمكث فيه ثلاث ليال"."

(ويمكرون ويمكر الله , والله خير الماكرين) .

والصورة التي يرسمها قوله تعالى: (ويمكرون ويمكر الله) . .

صورة عميقة التأثير. .

ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش , وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون. .

والله من ورائهم , محيط , يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون!

إنها صورة ساخرة , وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة. .

فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل , من تلك القدرة القادرة. .

قدرة الله الجبار , القاهر فوق عباده , الغالب على أمره , وهو بكل شيء محيط ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت