فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 1150

كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلمفي مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم، لا مجرد النجاة منهم!

لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله صلى الله عليه وسلمويحبسوه حتى يموت؛ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه؛ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا. . ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله؛ على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا؛ ليتفرق دمه في القبائل؛ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر!

قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجريري، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره ابن عباس في قوله: وإذ يمكر بك. . . قال:"تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي [ J] - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلمعلى ذلك؛ فبات عليّ - رضي الله عنه - على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلموخرج النبي صلى الله عليه وسلمحتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي [ص] فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري! فاقتصوا أثره؛ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. . فمكث فيه ثلاث ليال".

ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

والصورة التي يرسمها قوله تعالى: ويمكرون ويمكر الله. . صورة عميقة التأثير. . ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون. . والله من ورائهم، محيط، يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون!

إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة. . فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة. . قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط؟

والتعبير القرآني يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير؛ فيهز بها القلوب، ويحرك بها أعماق الشعور.

ونجاة عيسى عليه السلام من مكر اليهود كما في سورة آل عمران {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ 54}

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين. إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك، ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؛ ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت