فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 1150

ولاء العمل. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -"ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان". . فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق، كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله! ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب، فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا: ويحذركم الله نفسه. وإلى الله المصير. . ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب، وإشعارها أن عين الله عليها، وأن علم الله يتابعها: ... قل: إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير. . وهو إمعان في التحذير والتهديد، واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة، فلا ملجأ منها ولا نصرة! ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب؛ الذي لا يند فيه عمل ولا نية؛ والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. . وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري، وتحاصره برصيده من الخير والسوء. وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد، ويود - ولكن لات حين مودة! - لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدا بعيدا. أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدا بعيدا. بينما هو في مواجهته، آخذ بخناقه، ولات حين خلاص، ولات حين فرار! ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري، فيكرر تحذير الله للناس من نفسه - سبحانه: ويحذركم الله نفسه. . ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان: والله رؤوف بالعباد. . ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير. وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد. . وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات، بما كان واقعا في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود. تحت دوافع القرابة أو التجارة. . على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها، وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة. . الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقا. . كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق، والتحرر من تلك القيود، والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه. والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه، ولو كان على غير دينه. . ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت