الصفحة 18 من 31

يجوز كتمانه فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب (1 [1] "بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبًا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه، لأن نصر المظلوم واجب، ففي الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:» انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا «. قلت: يا رسول الله: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال:» تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه «" [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص(99) ط / دار الكتاب العربي] .

إن الحرمة قائمة، وعلى المسلم تحمل التعذيب والسجن والقتل، وأن يقدم نفسه لأجل إخوانه بتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وبأن يختار أهون الشّرين.

وقديمًا كان الإكراه على الكفر بالله، كما جرى للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكن الإكراه اليوم يقع لأجل الضرر بالمسلمين، والاعتراف عليهم وسجنهم وقتلهم.

فالإكراه الأول: قد رخصّ فيه الله تعالى وهذا سبب نزول الآيات [سورة النحل 106 - 110] ، أما الثاني فلم يرخص فيه الشرع أبدًا، بل هو محرم، ومن فعله وقع في الإثم والعياذ بالله [2] .

(1) 1 (إلى هنا ملخصًا عنه رحمه الله.

(2) (2) لم يكن في الكتابة الرد على الشبه المتعلقة بهذا الموضوع، ولأننا نعلم أن كل مسلم علم العلم الصحيح، ووفقه الله إلى الحكم الشرعي المحكم، الذي أوضحناه في هذه الرسالة، لن يدخل عليه أي تسائل أو شبهة أو التباس، فهو رد المتشابه إلى المحكم، ولكن بعد ما كتبنا هذه الوريقات، وتم عرضها على بعض إخواننا، عرضوا علينا شبهة وأرادوا الرد عليها، وبعد الإلحاح منهم، عزمت ثم توكلت على الله وحده لا شريك له في إدراج هذه الشبهة والرد عليها في حاشية هذه الكتابة.=

= ورد في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، المتفق عليه، حديث الغلام والملك،"أن جليس الملك بعد أن آمن وشفاه الله من العمى، جلس إلى الملك، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟! قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، والغلام دل على الراهب، فدعا الملك بالمنشار فوضع في مفرق رأس الجليس فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فشقه حتى وقع شقّاه، وكذلك فعل بالراهب".

فقال أهل الشبهة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم عن دل الجليس على الغلام، وكذلك الغلام على الراهب، فهذا السكوت دليل على إقراره، وهذه رخصة منه - صلى الله عليه وسلم -.

قلنا ولله الحمد وعليه التكلان: سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يدل على الإقرار وذلك أن التحريم جاء في نصوص أخرى وهذا ما ذكرناه في الرسالة تفصيلًا وبيانًا.

ومع هذا قد يسكت الشارع عن أمور في مواطن يكون قد فصلها في مواطن أخرى كما في قوله تعالى قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ:13] يعملون التماثيل وهي الصور المجسمة من النحاس وغيره، فهل هذا يعني أن الله عندما سكت عنها في هذا الموضع أحلها -لهذه الأمة -؟ لا ولكن وردت نصوص أخرى دلت على حرمتها كما قال - صلى الله عليه وسلم:» إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: إحيوا ما خلقتم «متفق عليه.

ونقول أيضًا: هل شرع من قبلنا هو شرعٌ لنا؟ إنه يكون شرع لنا، إذا لم يخالف شرعنا، وفي هذه الحالة قد خالف شرعنا، كما ذكرنا الإجماعات التي تحرم أذية المسلم للمسلم تحت الإكراه.

إن الله قد رخص لنا الكفر تحت الإكراه، ولم يكن هذا في شريعة من قبلنا، كما قال - صلى الله عليه وسلم:» إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه «حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما [راجع جامع العلوم والحكم الحديث التاسع والثلاثون] ، وحديث الغلام دل على ذلك فهم دل بعضهم على بعض لأن الله رخص لهم، ولم يرخص لهم في الكفر تحت الإكراه، بل أن في الحديث أن الناس قتلوا أفواجًا، أفواجًا، حتى أن الصغير تحدث لأمه لكي ترمي نفسها في النار ولا تتقاعس، فدل ذلك على أن الذي يكفر في حالة الإكراه يكون كافرًا، وهذا في شريعة من قبلتا.

وفي هذه الأمة تغيرت الأحكام، ورخّص الله في الكفر بعد الإكراه، وحرّم أذية المسلم للمسلم تحت الإكراه، وذلك أن الله تعالى يعلم ما في القلوب فجعل رخصة الإكراه في الكفر متعلقة به سبحانه لأنه يعلم من يكفر ومن لا يكفر، وعلق هذه الرخصة بعقيدة القلب التي يعلمها سبحانه،= = والثانية هي متعلقة بالبشر، والبشر لم يكلفهم الله تعالى إلا بالظاهر، فكيف يعرف المسلم أن أخاه لم يقصد إيذاءه، وهو يراه يدل عليه، ويسلط الكافر عليه، وعلى محارمه، وعلى ماله، وعلى إخوانه؟!، فكيف يحصل ذلك وهو مكلف بالظاهر، وكذلك لا توجد رخص له في فعل ذلك أبدًا، والله قد علم ما سيحصل في مثل هذه الرخص من المفاسد فحرّمها، والله أعلم.

فالحمد الله الذي أعزنا بالإسلام، فاللهم أعز الإسلام بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت